مدونات

ذاكرة افتراضية!

هذا أنا إنسان عاقل، اسمي مذكور في القرآن الكريم، واسم خاتم الأنبياء والمرسلين، أعتقد أن ذاكرتي قوية بما يكفي لتذكر كثير من الأشياء، وعاطفتي سخية تجعلني مازلت محتفظًا بإنسانيتي رغم الخيانة وانعدام الثقة، في زمن الخذلان والزهايمر، لكن ومع ذلك أستيقظ كل صباح فاقدًا ذاكرتي.

في الحقيقة كنت أستيقظ بمزاجٍ جيدٍ وذهنٍ صافٍ، كأن لا ذاكرة لي تذكرني بالوجبات الروتينة اليومية أو بأي شيء مزعج، ماهو الدافع الذي يجعلني أتذكر الفطور وحاجاتي البيولوجية، وتفقد هاتفي وتطبيقات التواصل الاجتماعي لعل أحدهم تذكرني وبعث لي تهنئة صباحية.

هذا الهاتف الفارغ من الروح والمليء بالخوارزميات، التي تسجل وتحصي كل صغيرةٍ وكبيرةٍ عني؛ وقت استيقاظي ونومي، ومتى أخذت آخر صورة، ومعدل المشي اليومي.

لقد تقاسمنا ذاكرتنا مع هواتفنا، فبالأمس كان الهاتف يفتح بنقرة، ودون الحاجة لوضع رمز حماية؛ لأنه لا يحتوي سوى على أرقام، واليوم صار يحفظ جزءًا من تفاصيلنا، وهذا الجيل في الحقيقة محظوظ؛ لأنه يصور أجمل لحظات حياته بجودة عالية.

هذا الهاتف الذي يسرق لحظاتٍ كانت ستكون مختلفة من وقتي، لو لم أقضها أتفحص دواليب هذه الشاشة والنقر عليها بخفة وشرود، لم أعلم ما الذي يجذبني أكثر إليها وإلى تفحصها كل حين دون ملل أو ضجر.

كونك مرتبط بهاتفٍ وبشبكة عنكبوتية لا تعرف لها حدودًا، ولا تدري بما تأتيك نقرات أصابعك، بإشعار مزعج، أو بفيديو غريب، أو بمحتوى فاضح، توقع كل شيء، حتى لو وضعت في محرك البحث مجرد كلمة حلوى لتتعرف على مقاديرها، تبدو لك عادية لكن تأويلاتها تكون كثيرة، وقد تنتقل من مقادير الحلوى إلى تفاصيل ليلة الدخلة، أو فيديوهات روتيني اليومي و ما شابه.

وإياك أن تنظر للساعة وأنت تتصفح هذا العجب الذي لا ينقضي؛ فأنت لن تشعر بالساعة والساعتين كما في حصة درس الرياضيات، ألم يبرهن أينشتاين عن نسبية الزمن؟

في الشبكة العنكبوتية أنت غير خاضع لأي نظام أو أي حدود، تصرف بكل حرية وأمان؛ فلا أحد يتعقبك أو ينظر إليك عدا أجهزة الاختبارت وشركات الإشهار ولا تسألني كيف، فالموضوع كبير ويحتاج لمقال خاص بعيدًا عن الذكريات الجميلة والحزينة والعواطف الشجية.

تكون الحياة طبيعية أكثر كلما توقفنا عن استعمال الأشياء التي تسرق أوقاتنا ونومنا وصحتنا، كلما توقفنا عن إهدار شهور وأعوام في مطاردة وهم العواطف وتجارب الحب الفاشلة، التي تأخذ الوقت وتترك الهزات العاطفية التي ليس لها درجة على سلم ريختر، كيف لم ينتبه هذا السيد ريختر لحجم الهزات التي تحدث يوميًا في كل البقاع؟ هزات لا تحدث خسائر مادية، ولا تكسر القناطر والمباني، بل تكسر الأحاسيس والقلوب.

أيها السيد ريختر، وأيها العلماء الذين يهتمون بالطبيعة، عليكم أن توجهوا أبحاثكم صوب الذاكرة، كيف تحتفظ بأشخاص وتنسى آخرين؟ كيف تحتفل بذكرياتهم وتفاصيلهم؟ كيف يصور لنا الحب على أن مصيره الخيبة دائمًا في الروايات والقصص الغرامية؟ فهلا برهنتم على هذه الحقيقة أو فندتموها علميًا وسوسيولوجيا؟

وصوب العواطف التي تبدأ قوية تتوهج ثم تنطفئ في شاطئ الأحلام والمتمنيات، كشمعة انقضت أو هبت ريح الأمواج عليها، شموع انطفأت، وقلوب تحطمت، وذكريات راسخة لا تريد أن تمحى، فهلا اجتهدتم واخترعتم لنا حقنةً نأخذها لتمحي مانريد محوه نهائيًا من ذاكرتنا لأنه لم يعد لنا ونعد له؟ هل يعقل ذلك؟!

هل يعقل ألا يكون لنا سلطة على التحكم في ذاكرتنا وعاطفتنا، كم من أناس قررنا أن ننساهم؟ وكم من أشخاص لم نهتم لأمرهم في البداية لكن مع الوقت وجدناهم ضمن أحاسيسنا وأحببناهم؟

وسواء رحلوا أم بقوا، فإن تلك الأحاسيس لا تعمر طويلًا ويغتالها الزمن رويدًا رويدًا، ومع ذلك تظل ذكراهم، وتصبح مكانتهم داخل عواطفنا فارغةً أو شاغرةً.

أن تقرر العيش بدون ذاكرة فذلك يعني الكثير من السعادة، فالماضي لا نتذكر عادة منه إلا الخيبات؛ لأنها تبقى محفورة بذاكرتنا أكثر من اللحظات الجميلة، هذه الخيبات هي تجارب تفيدنا، لكنها في نفس الوقت تعكر صفو مزاجنا، وتعيد للواجهة أناس خلوا وتخلوا عنا، لا يستحقون حتى أن نكرس لهم مكانًا هنا في كتاب مذكراتنا، أن نقتلع كل ورقة كتبنا أسماءهم فيها، وأن نبدأ صفحات جديدة كلها حكمة وتأني، وإعطاء كل ذي حق حقه من الأقارب والأحباب، لا مزيد من الخداع والأوهام.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق