سياسة وتاريخ

دول الخليج في سفينة واحدة ربانها المصير الواحد والمصالح المشتركة!

استوقفتني الحملة المسعورة في وسائل التواصل الاجتماعي ضد أهم المبادئ التي تؤمن بها دول الخليج جميعًا، وهي المصير والمصلحة المشتركة. فبعض المغرضين على الوحدة الخليجية يحاولون فك ارتباط المصلحة المشتركة بين دول الخليج فيخلوا لهم وجههم لنيل اطماعهم في المنطقة.

فتجد الأقلام المأجورة هنا وهناك، هذه المواضيع تمثل مصدر رزق لهم يروجون الإشاعات فيخلطون فهم الناس في الثوابت الىتي تأسست عليها دول مجلس التعاون الخليجي في عام 1981م، ويشككون في النوايا ويثيرون المواضيع القديمة.

فآخر حملة مسعورة كانت ضد وزير الخارجية العماني الذي يملك رصيد كبير من التاريخ السياسي في المنطقة والتي اتهم في مقطع صوتي مفبرك بتآمره مع القذافي لتفتيت المملكة العربية السعودية! وهذا الفيديو صدر من معارض عماني لا يعرف معنى المعارضة وإنما جند نفسه في تلفيق مثل هذه الدسائس وهو محسوب من الخونة الذين عاشوا على الصيد في الماء العكر فضلوا السبيل وفقدوا حتى أوطانهم.

وفي وجود التقنية الحديثة والمتطورة وبرامج تستطيع تقليد أصوات المشاهير مثل (Lyerbird) والتي تستعمل تقنية الذكاء الصناعي. فهذا التطبيق تم تقليد عليه أصوات الرئيس ترامب، وهيلاري كلينتون. وهذه التقنية تعتمد على الاستماع للأصوات لمدة زمنية ومن ثم يقوم البرنامج بمحاكاة الأصوات. لذلك مثل هذه المقاطع الصوتية لم تعد ذات مصداقية وبها القدح.

تداول هذا المقطع في هذه الفترة بين يوسف بن علوي ومعمر القذافي الذي  اغتيل في عام 2011 أي ما يقارب تسعة سنوات من وفاته، وهو يثير الشكوك وان كانت هناك مؤامرة فهي مؤامرة يحاول المغرضين إثارتها من زمن طويل لضرب الوحدة الخليجية وتفتيت العلاقات بين دول المجلس ليسهل لهم الوصول إلى مبتغاهم. فلماذا تم إثارة هذه المسألة  الآن في هذه الظروف الراهنة وبعد فترة زمنية طويلة.

ويتضح جليًا أن هناك مؤامرة تحاك ضد العلاقات الخليجية. ومثل هذه المواضيع تحتلق لهدف وأجندات معروفة. فمن الواضح أن المتآمر هو من يهدف إلى زرع الفتنة وإيقادها بإثارة مثل هذه المواضيع. فمن المفترض أن يكون الإنسان العربي جسرًا يصلح بين الناس ولا يكون حاجزًا يفرق بينهم.

ظهر شريط يدعي بأن وزير الخارجية العماني تآمر مع يوسف بن علوي لتقسيم المملكة العربية السعودية فكان الأمر مضحك ولكن أخذته بجديه لأنه هناك من ردود الأفعال التي باتت تعلنها أنها حقيقة مطلقة. فبذات تستحضر بواطن الفتنة فتثيرها وتحاول إشعالها بطرح مثل هذه المواضيع على العامة من الناس والذين لا يعرفون حقيقة الشخصية السياسة العمانية التي ترفض أي فكرة تنادي بتفتيت الدول.

نحن كمهتمين بالسياسة في السلطنة نؤمن بأن السعودية دولة رائدة في الشرق الأوسط وبين دول الخليج وأي مكروه يقع على السعودية فإنه سيطال الجميع كونها ساهمت بشكل إيجابي في حل العديد من القضايا. وقوتها تشكل توازن قوي في المنطقة العربية وتضمن الاستقرار من الأطماع التي تظهر بالمنطقة من فترة إلى أخرى.

نؤمن بأن المملكة العربية السعودية تشكل توازنًا عربيًا وإسلاميًا. وأي ضرر تقع به سيطال الجميع. فمن المنطق عدم القبول بهذه الإشاعات التي للأسف تلقى رواجًَا عند بعض المتابعين. فلا يوجد أي مصلحة في الأضرار بالمملكة أبدًا وإنما أي ضرر يحدث لها هو ضرر للجميع بدون استثناء.

دول الخليج تسير في سفينة واحدة في عالم متعدد المصالح والاختلافات العرقية والدينية، وأي ضرر يحدث في أي جزء منها سيتأثر به البقية. ولا شك أن جهود  المملكة العربية السعودية ودولة الكويت جهود عظيمة. والكويت تدرك تمام الإدراك أهمية الوحدة الخليجية.

بالرجوع إلى التاريخ العماني في الحياد الإيجابي يدرك معنى هذه المبادئ التي ترسخت في أذهان السياسة العمانيون خلال حقبة زمنية طويلة وصلت إلى قناعة بأن الحياد الإيجابي والتدخل لحل الخلافات هو نابع من قناعة بأن جميع دول الخليج في مركب واحد فعلينا الحفاظ على مصلحة الجميع.  لذلك فتدخلات عمان عبر مسؤوليها في السياسة لا تكون إلا في نطاق لم الشمل وليس التفرقة. فالأساس هو أنه يجمعنا المصير والمصلحة المشتركة.

فمنذ عهد السلطان قابوس انتهجت السلطنة الحياد وبالتحديد سياسة الحياد الإيجابي ولم الشمل وتقريب وجهات النظر بشكل واضح في جميع العلاقات الدولية. فكانت تقف في منتصف الطريق في الأزمات السياسية. لأنه يؤمن بقناعة أن العنف لا يولد إلا العنف. وأن الحروب والتراشق الإعلامي لا يأتي بالنتائج الإيجابية والمحمودة.

يستحضرني قول الفيلسوف مارك توين: “الحرب هي قتل مجموعة من الأغراب الذين لا تشعر نحوهم بأي عداء ولو قابلتهم في ظروف أخرى لقدمت لهم العون أو طلبته منهم”.

السلطنة تعرف معنى الحياد وتفهم جيدًا أن لم الشمل هو من مصلحتها أولاً. وعندما كان العداء واضح وصريح فإن موقفها واضح وإن كانت القوة تجبر الظالم وتعيده إلى جادة الصواب فلا ترى في ذلك ما يختلف عن حيادها وتمسكها بالسلام.

وان كانت هناك مواقف سياسة تجد السلطنة حلها  بالقوة فسوف تفكر في مصلحة الجميع لأنها هي مصلحة لأي عضو في مجلس التعاون الخليجي ومن هذه المواقف التاريخية مشاركة السلطنة في حرب الخليج بعد انتهاكات صدام لحق الجوار بانتهاك الجيرة وسفك الدماء. فكان لسلطنة موقف متفق مع الجهود الخليجية في عام 1990 وشارك الجيش العماني ضمن قوات درع الجزيرة لأن المشاركة تلك هي لرد عدوان غاشم لا يقدر حق الجيرة وإن كان هناك أخطاء دبلوماسية وقع بها السياسيون او الاقتصاديون في تلك الفترة فإن القضية لا تحل بسفك الدماء.

يتسم موقف سلطنة عمان بالوضوح منذ وقوع العدوان العراقي الغاشم على الكويت، فأدانت السلطنة في بيان رسمي الغزو العراقي لأراضي الكويت وطالبت العراق بالانسحاب الفوري غير المشروط من كامل الأراضي الكويتية وعودة الشرعية إليها.

كما شاركت السلطنة في مؤتمر القمة العربي الطارئ الذي عقد في القاهرة في أعقاب الاحتلال العراقي للكويت لبحث تطورات الموقف بين القادة العرب ولم تتردد السلطنة في الوقوف إلى جانب الحق الكويتي العادل فأيدت الشرعية الكويتية وطالبت بانسحاب العراق من الكويت فورًا دون يد أو شرط.

وانسحب وفد سلطنة عمان مع وفود مصر والكويت وسوريا من اجتماعات المجلس المركزي للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب في 28 أغسطس 1990م بعد مناقشات ساخنة حول مشروع التوصيات الذي أعدته اللجنة المكلفة بذلك، ورفضت سلطنة عمان مع الدول العربية المذكورة مشروع التوصيات الذي تجاهل الإشارة إلى الغزو العراقي للكويت.

وبهذا الانسحاب اعتبر التصويت على مشروع القرار المذكور غير قانوني لأن انسحاب وفود من دول الخليج مثل السلطنة والكويت، ومن مصر وسوريا حصل على موافقة ثمانية أعضاء أي أقل من نصف عدد أعضاء المجلس وهو 19 عضو.

فقام وزير الخارجية يوسف بن علوي بزيارة العاصمة الأمريكية واشنطن واجتمع مع الرئيس الأمريكي جورج بوش، وعدد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية لبحث تطورات الموقف في ضوء الاحتلال العراقي الغاشم للكويت.

وصرح وزير خارجية سلطنة عمان عقب اجتماعه مع بوش بأنه يأمل في أن يكون الرئيس العراقي صدام حسين شجاعًا بدرجة كافية للانسحاب من الكويت.

تلك المواقف وغيرها تتفق مع سياسة لم الشمل والرد على الفئة الباغية التي تهدف الى تمزيق الوحدة العربية والخليجية بين دول الخليج فكل ما يقال من تراهات لا تستحق التوقف والتأمل لها ولكن توضح بأن هناك مؤامرة كبيرة لشق الصف العربي والخليجي.

 

قد يهمك أيضًا : سلاح الدرونز التركي.. هل يحسم الصراع القائم في ليبيا ؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

حمود المقبالي

باحث ماجستير في التطوير الإداري , مهتم بالسياسة والكتابة والتحليل المالي والمجال التقني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق