سياسة و تاريخ

دولة المرابطين والدور الريادي للموقع الاستراتيجي

لقد بنى المرابطون حضارتهم وخلدوا تاريخاً طويلاً من المجد الحضاري والثقافي وغيره، وشكلت عاصمتهم مراكش مركز إشعاع فياض في أفريقيا والمغرب الأقصى، ولم تكن هذه المدينة عاصمة لدولتهم في المغرب فقط، وإنما كانت مركز القيادة والسيطرة والتحكم بعد التوسعات التي قام بها الملثمون.

بعد تولي يوسفَ بن تاشفين المرابطي لسدة الحكم، وقيامه بمهمّةَ الخلافة على المناطق المغربية والتي تم ضمها في أفريقيا، بحيث اتجه جنوباً، لإدخال القبائل الإفريقية المتنازعة في الإسلام، لتصبح تحت النفوذ المرابطي كما خططوا لذلك بعد زمام الحكم في مراكش والمناطق المحيطة بها، وإنهاء العديد من التمردات التي كانت تنبعث هنا وهناك، بسبب التفاوتات الطبقية للمجتمع المرابطي وهيمنة طبقة على أخرى.

حلم ابن تاشفين سيتحقق بعد خمسة عشر سنة، وستتوسع دولة المرابطين كثيرًا سواء في المناطق الداخلية أو الأفريقية، فقد ضم ابن تاشفين موريتانيا بأكملها، كما ازدهر دور مدينة مراكش وأضحت عاصمة تجارية وثقافية مهمة، جمعت ما بين شمال القارة وجنوبها.

كما توسع المرابطون شرقًا أيضًا وتم إخضاع مملكة تلمسان إلى حكمهم، واتخذ مدينة الجزائر كمركز مهم خارج دولتهم من أجل بسط سيطرتهم على المناطق التي أصبحت تحت حكم مملكة المرابطين في عهد يوسف بن تاشفين، والتي امتدت من تونس، والجزائر شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرب المغرب الأقصى، ومن المغرب شمالاً حتى مالي وغانا جنوباً، ولم تنته أطماع المرابطين في ضم مناطق جديدة خارج القارة الأفريقية، لكن هذه الأطماع لم تكن ظاهرة، لكنها كانت ضمن أولوياتهم الأمر الذي تحقق لهم بعد الوصول إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.

فبعدما تم تقسيم الأندلس إلى دويلات صغيرة وممالك، بدأ الغزو الصليبي سعيه من جديد من أجل القضاء على الوجود الإسلامي بكل من إسبانيا والبرتغال، استنجد أمراء الأندلس بالمرابطين، فخرج ابن تاشفين بجنوده وعتاده لنصرتهم ومساعدتهم في صد هجمات ألفونسو السادس ملك قشتالة.

وبالفعل حقّق العديدَ من الانتصارات على الصليبيين في الأندلس، كان أشهرها موقة الزلاقة 1085م، ولم تكن هذه المرة هي الأولى التي يصل فيها الملثمون إلى بلاد الأندلس، فبعد المعركة الشهيرة “الزلاقة”، وبعد تشاور المرابطين مع الفقهاء ورجال الدين، حصل بن تاشفين على فتاوى من فقهاء الأندلس وبطلب من أهلها بضم المدن الأندلسية، ومن أجل استعادة المدن من أيدي الصليبيين، ونجح المرابطون بالفعل في توحيد ملوك الطوائف المتناحرين في الأندلس تحت راية حكم واحدة مركز قيادتها في مراكش.

لقد شكلت دولة المرابطين ممرًا استراتيجيا يجمع ما بين الشمال والجنوب، وربط كل مناطق المملكة بالممر الوحيد الممتد من الأَندلس وصولًا إلى وسط أفريقية حيث الامتداد المرابطي، فكانت القوافل تسلك هذا الطريق من أجل المبادلات التجارية بين القارتين الأفريقية والأوروبية، وقد قسم المرابطون البلاد على ثلاث طرق، الطريق الأول وهو الطريق الساحلي على المحيط الأطلسي، الذي ينطلق من أكادير المغربية، مرورًا بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، وصولًا حتى مصب نهر السنغال وباقي دول أفريقيا المجاورة.

وقد قابل هذا الطريق الخارجي طريق آخر داخل البلاد يربط بين مناطق الدولة المرابطية، يبدأ من جهة الشرق عبر طريق تارودانت أويل وصولاً إلى مراكش، في حين توزعت طرق أخرى ساعدت على ربط الطريق الرئيس بطرق ثانوية، يمتد من الوسط المغربي إلى قلب أفريقيا بالنيجر، بالإضافة إلى الطريق الذي يربط المدن الشرقية والجزائرية ويمر بأزكى حتى أودغشت فى بلاد النيجر.

وقد ازدادت شبكة الطرقات قوة بطريق ثالث وأخير يمتد من السودان الغربى إلى الصحراء شرقاً، وقد تمت مراعاة العديد من الأمور الطبيعية والمناخية في اختيار الطرق، لكنها لا تخلو من صعوبات طبيعية ومناخية وأمنية، فتحرك الرمال يمحي معالمها، وتتعرض القوافل المارة بها إلى مخاطر لا تحمد عقباها، فاحتاج بذلك أصحابها إلى دفع مبالغ مالية كبيرة إلى المرابطين مقابل المجهود الرائع العظيم الذي يبذلونه في سبيل تأمين هذه الطرقات، ما شكل مصدراً مهماً ومورداً مالياً لدعم خزينة الدولة.

الهوامش:

ابن أبي زرع، روض القرطاس، ص (746) نقلاً عن دولة المرابطين ص (19).
دولة المرابطين فى المغرب والأندلس، ص(13).

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

عبد اللطيف من الجديدة استاذ في التعليم الثانوي، تخصص اللغة العربية، كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق