سياسة وتاريخ

دولة «العم سام»: هل باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة؟

ما من إمبراطورية قامت وازدهرت وعظمت مكانتها على مر العصور إلا وسقطت على يد قوة أخرى تفوقت عليها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، إذاً فلماذا يستهجن البعض سقوط اقتصاد الولايات المتحدة التي لطالما توهم الجميع ديمومة مكانته كأعظم قوة اقتصادية وعسكرية في العالم؟

لا جدال بأن ثلة من العلماء والمحللين السياسيين تنبأوا بسقوط اقتصاد الولايات المتحدة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ولكن بالآونة الأخيرة وخاصة بعد أن احتل فيروس كورونا معظم دول العالم، فقد تعاظمت الأسباب والعوامل التي تؤكد النهاية الوشيكة لدولة العم سام.

«أمريكا أولاً» سياسة ترامب تقود بلاده إلى بداية عزلة دولية

لقد حرصت الولايات المتحدة على تقديم كافة الامتيازات لحلفائها بعد الحرب العالمية الثانية لكسب ولائهم التام، فقدمت تسهيلات كبيرة في قوانين حرية التجارة، والتي قامت على دخول الصادرات إليها بدون رسوم جمركية والعديد من المزايا الأخرى، ولكن سرعان ما تنافست دول الحلفاء وخاصة الصين في إغراق الأسواق الأمريكية بالعديد من البضائع الرخيصة المنافسة للمنتجات الأمريكية، مما أسهم في تكبد الولايات المتحدة خسائر كبيرة.

لقد تدارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأمر، وأسرع بإعلان حربه التجارية مع حلفائه وخصومه على حد سواء، عن طريق فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات القادمة إلى بلاده، وأتبع ذلك بسلسلة من القرارات والإجراءات التي أغضبت الدول الأوروبية الحليفة؛ أبرزها فرنسا وروسيا وألمانيا، من ضمنها الضغط على تلك الدول لزيادة نسبة مشاركتها في تمويل حلف الناتو وتخصيص 2% من ناتجهم القومي الإجمالي للإنفاق العسكري.

وكذلك إعلان الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، مما دفع الأخيرة إلى العودة إلى تخصيب اليورانيوم بنسب مرتفعة تصل إلى 5%، كما انسحب ترامب أيضًا من اتفاق باريس للمناخ واتفاق التبادل الحر عبر المحيط الهادئ.

ولم يكن من المفاجئ مهاجمته للعولمة واعتماده على رفع شعار «أمريكا أولًا» قبل توليه الرئاسة، وقد أعلن ذلك مراراً في معظم المحافل الدولية، فبلغ جنونه إلى حد الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية.

بالرغم من عدم وجود أية مواجهة حقيقية لقرارات ترامب من قبل الدول الأوروبية الحليفة حفاظًا على مصالحها المشتركة، إلا أن قرارات ترامب المتهورة لم تتح أي مجال للثقة، وسوف تدفع تلك الدول إلى التفكير بتشكيل تحالف دولي جديد بمنأى عن أمريكا في المستقبل القريب.

حرب العملات: هل تتسبب الصين باهتزاز عرش الدولار الأمريكي؟

من المسلم به أن 70% من اقتصاديات دول العالم ترتبط ارتباطاً وثيقًا بأي اهتزاز أو تدهور يشهده سعر الدولار، أو أي تغيير بسعر الفائدة في الولايات المتحدة، ولعل من أبرز أسباب توتر العلاقات بين الصين وأمريكا، هو اتهام الأخيرة بكين بتخفيض قيمة عملتها منذ أكثر من عقدين من الزمن، والذي أثر بشكل كبير على زيادة الواردات الصينية في الأسواق الأمريكية وخفض الطلب على المنتجات الأمريكية.

فمؤخرًا شهد اليوان الصيني أدنى مستوى له مقابل الدولار الأمريكي، فحسب تحليلات سياسية واقتصادية، جاء ذلك كرد فعل لتعويض أثر رفع التعريفات والرسوم الجمركية على الصادرات الصينية إلى أمريكا، لقد قامت الصين بإدراج اليوان الصيني ضمن سلة العملات كعملة حرة للتداول، وكذلك كأحد العملات المكونة لوحدات السحب الخاصة بصندوق النقد الدولي في سبتمبر عام 2016.

وعلى إثرها بدأت الصين في عقد الاتفاقيات مع العديد من الدول، يتم بموجبها تحصيل رسوم الصادرات بالعملة الصينية (اليوان)، وذلك كمقدمة تدريجية لاستبدال الدولار الأمريكي على المدى الطويل، وهذا ما جعل الصين في مرمى الساسة والاقتصاديين الأمريكيين.

لا خلاف بأن الإجراءات التي قامت بها الصين وبعض الدول باستبدال الدولار في معاملاتها التجارية من شأنها أن تقود إلى تدهور قيمة الدولار عالمياً أو انهياره على المدى الطويل، لكن علينا ألا ننسى بأن الأمر ليس بهذه السهولة، فأكثر من ثلثي دول العالم يرتبط اقتصادها بالدولار بما فيها الصين، وإن بدا لنا انهياره وشيكاً، فسوف يكون بشكل تدريجي وليس بين ليلة وضحاها.

أزمة كورونا: مفارقات ملحوظة بين الموقفين الصيني والأمريكي

منذ أن تم الإعلان عن فيروس كورونا إلا وجندت الحكومة الأمريكية بقيادة ترامب الجهات الإعلامية والمحللين والقادة السياسيين للتحريض ضد الصين، باعتبارها البؤرة الأولى لانتشار الفيروس؛ وذلك استغلالاً للأزمة في تصفية حساباتها المذكورة آنفاً، وسعياً للعمل على تراجع مكانة الصين على المستوى الدولي كأكبر منافس لها.

ففي الوقت الذي عجز فيه ترامب عن احتواء الأزمة داخلياً وخارجياً باعتبار أمريكا منقذة البشرية كما توهمنا دومًا، فاجأت الصين العالم بسيطرتها على انتشار الفيروس داخل بلادها، وتلبية مصانعها ما تحتاجه من معدات طبية ووقائية، بل والتصدير أيضًا إلى معظم الدول المنكوبة.

لقد كانت الصين الدولة الوحيدة التي شرعت في إغاثة إيطاليا التي وصلت أعداد الوفيات فيها أعلى المعدلات جراء ذلك الفيروس الخطير، فأرسلت إليها خبرائها من الأطباء والفنيين وكافة المساعدات والإمدادات الوقائية والطبية، في الوقت الذي اشتكت فيه إيطاليا من تجاهل جيرانها من الدول الأوروبية وامتناعهم عن مد يد العون لها في أوج أزمتها.

وتعد اليابان وكوريا الجنوبية ولبنان وبلجيكا من ضمن الدول التي حرصت الصين على تقديم كافة أشكال الدعم لها لمواجهة تلك الجائحة، بينما أظهرت الولايات المتحدة عجزها عن تلبية حاجات مواطنيها، سواء من حيث توافر المعدات الوقائية، أو أجهزة التنفس، أو مواد فحص الفيروس، باستثناء نشر الذعر بين أفراد الشعب الأمريكي وتقديم معلومات مغلوطة حول انتشار المرض.

أما على المستوى الخارجي؛ فقد واصلت واشنطن فرض العقوبات على بعض الدول من ضمنها إيران، حيث منعتها من استيراد المواد الطبية لمحاربة الفيروس، في الوقت الذي تعد فيه طهران من ضمن الدول التي سجلت أعلى معدلات إصابة بكوفيد 19، كما عملت على تخفيض المساعدات المالية القادمة لفلسطين.

وهنا السؤال يطرح نفسه: هل تستحق أمريكا أن تقود العالم في حين لم تستطع إنقاذ نفسها؟ وهل تعيد الدول حساباتها في ظل تعرية الدور الأخلاقي والقانوني الأمريكي في أوج الأزمة؟

اقرأ أيضًا: ابن خلدون وسيناريوهات انهيار اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية

اقرأ أيضًا: الولايات المتحدة الأمريكية: الأم الحنون للعالم!

إحصائيات صادمة تكشف هشاشة اقتصاد الولايات المتحدة

كشفت صحيفة الجارديان البريطانية، 6 أبريل الماضي، عن إحصائيات صادمة تخص اقتصاد الولايات المتحدة ما بعد جائحة كورونا، وتكشف عن مدى هشاشة ذلك النظام الذي يحكم معظم دول العالم.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الـ69 من بين 182 دولة حسب جودة النظام الصحي، حيث يوجد 2.9 سرير لكل 100 مريض وذلك أقل من دولة ليبيا 3.7. ومن حيث توافر الأطباء؛ فإن لديها 6.2 طبيب لكل 1000 شخص، مما يجبر الأطباء على تقنين تقديم الرعاية الطبية اللازمة للمرضى.

ويعتبر النظام الطبي في أمريكا هو الأغلى على الإطلاق من بين جميع الدول، فلم يكن لدى ما يقرب من 18 مليون أمريكي تأمين في عام 2018، وفقاً لمؤسسة «كايزر فاميلي»، حيث أن المواطن الأمريكي لديه خيارين؛ إما عمل تأمين صحي ودفع مبالغ سنوية تفوق ميزانيته التي أرهقتها الضرائب، أو العيش بدون أي تغطية صحية وتحمل تكاليف المرض على نفقته الخاصة تحت أي ظرف.

لم يقتصر التدهور على القطاع الصحي فقط، بل طال القطاع التعليمي أيضاً؛ حيث يترك 83% من الطلاب في الولايات المتحدة مقاعد التعليم إبان المرحلة الثانوية، وهذا الرقم يفوق دول لا تعد «متقدمة» بحسب تصنيفات الأمم المتحدة، على غرار أوكرانيا والبوسنة والهرسك وكازخستان.

ومن حيث معدل رفاهية الفرد؛ فإن 5% من الشعب الأمريكي يمتلك ثلثي الثروة الوطنية، كما تؤكد الإحصائيات أن الولايات المتحدة تسبق دولتي مالي واليمن من حيث عدم تطبيق المساواة في الحقوق، وقريباً منها تأتي إسرائيل كـ«كيان محتل» أقيم على مبدأ الفصل العنصري.

وتحتل أمريكا المرتبة الواحد والثمانين على مستوى العالم من حيث التمثيل السياسي للمرأة، وهي بذلك تتساوى مع بلدان جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، حيث تشغل النساء 24% فقط من مقاعد البرلمان.

إن جميع تلك الحقائق بقدر ما هي صادمة بقدر ما تجعلنا نصل إلى استنتاج واحد؛ وهو أننا خدعنا بالتقارير الأممية التي دائمًا ما صنفت اقتصاد الولايات المتحدة بأنه الأفضل مقارنةً بجميع دول العالم، وأنها تستحق لقب دولة متقدمة.

لقد أردت أن أخوض أكثر في الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى سقوط الولايات المتحدة ونهايتها كدولة عظمى، ولكن قد يطول الحديث ليصل إلى مالا نهاية.

فلم أتطرق إلى تاريخها الدموي الذي استنزفه قادتها في الحروب، وكبّدوا فيها شعبها وشعوب العالم خسائر بشرية ومالية فادحة وراء سعيهم للسيطرة على الذهب الأسود في كل دولة استهدفتها.

ولم أتطرق إلى مديونيتها لمعظم الدول، وممارستها كافة أشكال الخداع المالي من حيث التلاعب بأسعار الفائدة، وممارستها أساليب الضغط العلني على الدول لسحب أموال هائلة لصالحها، ولا إلى تغطيتها أو إدانتها للإرهاب وقتما تشاء وكيفما تشاء.

لقد اقتصرت في هذا المقال على تناول أبرز الأسباب التي كشفت ضعف الولايات المتحدة مؤخراً، متعمدة عدم الخوض في تفاصيل أكثر دقة، لأترك المجال للقارئ في البحث والاستنارة لمعرفة المزيد عن اقتراب نهاية دولة العم السام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أماني الصفدي

كاتبة ومترجمة تحريرية من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق