مدونات

دولة العدل والرضا المستقرة

دولة العدل والرضا المستقرة .. خلق الله سبحانه وتعالى الكون بألوان مختلفة، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يصبغ الناس بفكر واحد لفعل ذلك وهو القادر على كل أمر سبحانه وتعالى، وكما أوضح في كتابه المبين أنه سبحانه وتعالى خلقنا من شعوب وقبائل لنتعارفوا، وخلقنا بألسنة مختلفة، وفي إختلاف الألسن إختلاف الثقافات والطبائع، وهكذا فإن الإختلاف في الآراء أمر طبيعي وسائد حتى بين أفراد العائلة الواحدة، ناهيك عن مكونات إجتماعية وإقتصادية وسياسية وثقافية لدولة بكاملها.

الحقيقة التي يجب على الليبيين إدراكها هي أن مسألة تقبل الآخر ورأيه تعتبر مسألة لا مفر منها. لا أحد يستطيع فرض رأيه وتوجهاته على الآخرين، أو إقصائهم، أو الزج بهم في السجون، أو رميهم في الصحراء، أو في البحر لأنهم مختلفين معه في الآراء السياسية، أو في نظرتهم للحياة بشكل عام. إن محاولة فرض الرأي على الآخرين بدون توافق قد تؤدي إلى الإختلاف، ومن ثم إلى الخلاف، ومن ثم إلى الضغينة، ومن ثم إلى سلسلة الحروب المتتالية التي تمزق النسيج الاجتماعي، وتغيب الأمن، وتدمر الاقتصاد، وتنشر الجريمة والبؤس والمرض والشقاء، وتقلل من قيمة البلاد أمام العالم، وليبيا والليبيون لا تنقصهم التجارب وهي خير معلم للشعوب.

إن الرابطة التي تجمع سبعة مليون ومئتي ألف ليبي وليبية هي رابطة الأرض التي عرفت بإسم ليبيا، حيث تكونت الهوية الليبية و تمحورت حول رابطة أرض الليبو ذات الموقع الاستراتيجى والتي تتوسط القيروان وصحراء غرب النيل، ومن الممكن أن تكون هذه الرابطة نقطة قوة توحد البلاد وسكانها كما هو الحال في دول مثل أمريكا وبلجيكا وسويسرا وغيرها. صحيح أن الليبيون ينحدرون من هجرات متعاقبة لقبائل وعرقيات مختلفة، ولكن جمعهم الإسلام ولغة القرآن. إن الإختلاف الذي يحاول أصحاب الشقاق والفتن تسليط الضوء عليه هو اختلاف هامشي، وما ارتبط به من مسميات قد أخذت في صداها أكبر من واقعها. الليبيون أفكارهم متشابهة وسلوكهم كذلك، ومع هذا على الشعب الليبي أن يدرك بأنه لن يأتي ذلك الرجل خارق القدرات العجيبة والغير مرئية ليوحد الناس على فكر وقناعة واحدة، ولو مارس عليهم أقصى درجات الجبر والقهر والعنف، ولهذا من الأفضل لليبيين أن يختصروا الطريق بأقل التكاليف ويتركوا الناس أحرارًا في آرائهم طالما لم يخلوا بالأمن والنظام العام.

دولة العدل والرضا تسد الثغرات في أنظمتها وتتجنب بذلك المشاكل والفتن والتدخل الأجنبي في شؤونها وشؤون مواطنيها. دولة العدل والرضا تعامل الناس بمختلف آرائهم بشكل متساوي، وتمنحهم نفس الحقوق والواجبات، وتضمن لهم حق التكافؤ في الفرص، وعدم تعرضهم للإقصاء أو للتهميش أو للظلم القاهر، حيث تكون الدولة أداة عادلة ومستقلة للإدارة العليا للبلاد، وتكون الدولة محايدة في الإختلاف السلمي الذي يسود بين أفرادها وقبائلها ومدنها وأعراقها وأحزابها. هذه هي دولة العدل المستقرة التي يستحقها الليبيون، والتي يشعر فيها السكان بالرضا والمساواة بغض النظر عن إختلاف زوايا وآراء ووجهات النظر، والتي تجنب الشباب شد الرحال عبر قوارب الموت أو مطارات العالم وما صار يرتبط بها من سوء المعاملة لليبيين بما فيها التفتيش بالكلاب أكرمكم الله.

إن التحصين السياسي والمبني على الحرية والعدالة والرضا المطروح هنا يسهل الأمر على الخبراء الليبيين لتأسيس نظام سياسي مستقر وقوي، وهو ما يساعد بدوره الحكومات المتتالية على إستثمار موارد البلاد التي حباها الله بها مثل النفظ والغاز والطاقة الشمسية والثروة البحرية والموقع الاستراتيجي، وإمكانية إنشاء موانئ التوزيع الإقليمي ومطارات الربط الدولي، وفرص السياحة البحرية والصحراوية، مما يجعل من الشباب أدوات للحلول والتقدم، ويترجم ثروة ليبيا الافتراضية التي سمعنا عنها كثيراً إلى ثروة حقيقية وواقعية بيد الدولة والناس مما يوفر لهم حياة كريمة يستحقونها جميعاً وبدون تمييز.

لتحقيق ما طرح أعلاه على الليبيين التسابق راكضين وراء كل بوادر حسن النية وتقديم التنازلات وإبعاد أصوات المزايدة والكراهية والتحريض والشقاق، وتبني كل ما يساهم في إصلاح ذات البين بين الناس ولو بكلمة خير. أن تبني حلول الوسط والتنازل للخصوم أمر ليس بالسهل ويعتبر من كفاح النفس وهو الكفاح الأعظم، ولكن يبقى هذا التنازل الأهلي جزء من تعاليم الإسلام وعلامة من علامات العقلانية والرشد، وكفيل بأن يقلب حال ليبيا من الأسوء إلى الأفضل في ظرف زمني لا يتجاوز بضع سنوات إن صدقت النوايا وعملت الأيادي المخلصة لأرض ليبيا وشعبها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Abdurraouf Elakder Alyoncee

عبد الرؤوف عبد السلام الأخضر اليونسي طالب دكتوراه في السياسة المقارنة والسياسة العالمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة كليرمونت للدراسات العليا بكاليفورنيا. تشمل اهتماماته قضايا النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة، والعقوبات الدولية، وقضايا البناء الدستوري والقانوني والبيروقراطي، ودراسات تقييم حيادية القضاء الدستوري والمحاكم العليا، ودراسات تحسين أداء الحوكمة المحلية وفاعلية المؤسسات السياسية وتأثيرها على الاقتصاد والمجتمع.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى