سياسة وتاريخ

وحش الابتكار الصيني

سيطرت الصين على العالم عدة مرات على مدى آلاف السنين الماضية، وهي تسير في الطريق لتكرار التاريخ مرة أخرى.

الإصلاحات الاقتصادية التي أدخلها الزعيم الشيوعي دنغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي دفعت الصين إلى أن تصبح أمة تعتبر الآن جديرة بالتحدي للولايات المتحدة على اللقب الأول، كأكبر اقتصاد بحلول عام 2030، حيث حققت دولة الصين معدل نمو سنوي بلغ 10% من عام 1999 إلى عام 2008، وفي السنوات الأخيرة، زاد هذا النمو بنسبة 6-8%؛ وذلك بفضل الدوافع الحديثة للابتكارات التكنولوجية.

“لقد كانت الصين منذ فترة طويلة واحدة من أغنى البلدان، حيث أنها واحدة من أكثر البلدان خصوبة، والأكثر زراعًا وكدحًا، والأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم”.

في الواقع على مدى السنوات القليلة الماضية، اتخذت دولة الصين خطوات ملموسة لجعل ذلك حقيقة واقعة، ففي عام 2015، أعلنت الصين عن مايسمى “صنع في الصين”، وهو مخطط إستراتيجي يفصل الخطوات اللازمة لتزويد الأمة بالابتكارات التكنولوجية المحلية.

وفي عام 2017، بلغ إجمالي الإنفاق الصيني على البحث والتطوير 1.76 تريليون يوان (279 مليار دولار أمريكي) بزيادة سنوية قدرها 14%، في الواقع هناك مصطلح لوصف الصين بسياسة الابتكار الفريدة، وقدرتها على دفع الابتكار والتقدم التكنولوجي داخل حدودها الجغرافية، الصين التي أطلق عليها اسم “الابتكار المحلي” تعد نفسها الآن عاصمة العالم للابتكار والتكنولوجيا.

الأسباب التي تجعل الصين قادرة على التفوق على الولايات المتحدة خلال العقد المقبل:

1. المساحة الجغرافية:

الصين دولة ضخمة، سواء كان حجمها الجغرافي أو عدد سكانها، في حين أن الصين والولايات المتحدة متساويتان في الحجم على مساحة 3,705,000 ميل مربع للصين و3,797,000 ميل مربع للولايات المتحدة، وتتفوق الصين على الولايات المتحدة بأكثر من 1.4 مليار مواطن، أي أكثر بأربع أضعاف من سكان الولايات المتحدة الامريكية، حيث أن النظام الإيكولوجي المغلق للصين قد خلق بيئة مثالية للشركات الصينية لتنمو وتزدهر، مع أكثر من 772 مليون مستخدم للإنترنت؛ تعد الصين ملاذاً للبيانات.

علاوة على ذلك، اشتهر المواطنون في الصين بأنهم أكثر تساهلاً في مشاركة بياناتهم الشخصية، وهو تناقض حاد مع الدول الغربية، حيث يتم تطبيق سياسات ولوائح البيانات الشخصية بشكل صارم، وهذا ما لا نراه أبدًا في الصين.

ومع ذلك، يبدو أن تقارير “المراقبة العاطفية” التي يتم استخدامها حيث تتم مراقبة موجات دماغ الموظفين في المواقع العسكرية، ويبدو أن الشركات المملوكة للدولة قد تجاوزت الحدود في جهودها الأخيرة لمراقبة أفرادها.

2. الدعم من الحكومة الصينية:

تُعد سياسات مثل الخطة الخمسية الثالثة عشرة للصين (2016-2020) و Made In China 2025 دليلًا قويًا على خطط الصين الطموحة لتأسيس نفسها كرائد عالمي في مجال التكنولوجيا الرائدة.

الإعانات والقروض منخفضة الفائدة، والإعفاءات الضريبية هي بعض من شركات الدعم الفنية التي من المتوقع أن تحصل عليها كجزء من خطة الصين لدفع الأبحاث والابتكار داخل الدولة، علاوة على ذلك، بدلاً من ازدهار شركات غربية مثل Google وFacebook وTwitter، قامت الحكومة الصينية برعاية الشركات المحلية من خلال إجراءات الحماية والإعانات الضخمة، حيث تمكن عمالقة التكنولوجيا المحليون مثل Baidu و Alibaba و Tencent، والتي يشار إليها عادةً باسم BAT، من النمو في ظل البيئة المحمية، وامتلاك فطيرة صينية كاملة لأنفسهم.

منذ ذلك الحين، توسعت هذه الشركات في الخارج من خلال عمليات الاستحواذ، وإنشاء مراكز للبحوث والابتكار، وهي خطوة اعتبرتها العديد من الدول عملاً صارخًا من “استيراد التكنولوجيا”، ويعرف أيضًا باسم نقل التكنولوجيا.

سيكون المستقبل هو المستقبل الذي تسيطر عليه التكنولوجيا، وقد أعدت الصين نفسها لتكون جزءًا من المستقبل، مع ذلك سيكون من السذاجة الاستنتاج بأن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة ببساطة على أساس التكنولوجيا المتفوقة.

إن إمكانية نشوب حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين تعود بالنفع على الصين فقط؛ لأنها تتمتع بميزات الحجم الكبير وسوق واحد مستقل، ويتضح الفائض التجاري المستمر مع الولايات المتحدة من اعتماد الولايات المتحدة على السلع الصينية، وستؤذي الحرب التجارية البلاد فقط مع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.

ارتفع الفائض التجاري للربع الأول من عام 2018 بنسبة 20% تقريبًا ليصل إلى 58.25 مليار دولار، مشيرًا إلى احتمال نشوب حرب تجارية، علاوة على ذلك، تعمل الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي ،ومن المتوقع أن تكلف أكثر من تريليون دولار، وتؤثر على 60% من سكان العالم، كل الدلائل تشير إلى حقيقة أن الصين لديها المال والتكنولوجيا والنفوذ للسيطرة على العالم.

تطورت الصين من أمة التقليد إلى أمة الابتكار، ومن أمة إنتاج المنتجات إلى أمة تبتكر المنتجات، وربما حان الوقت للعالم لإلقاء نظرة جيدة على الصين، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد يكون التعاون هو الأفضل والسبيل الوحيد للمضي قدمًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

بدرة

https://dlylaki.com/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق