سياسة و تاريخ

دور “الزوايا” في قيام دول وأفول أخرى

لقد ساهمت الزوايا بشكل كبير في رسم الخريطة السياسية للمغرب، فهي العصا التي كانت تستخدم في وقت الأزمات لإخماد نار الثورات، وهي التي تدعوا إلى الجهاد وطرد الغزاة، كما كان لها دور بارز في اختيار الدول الجديدة التي ستحكم المغرب.

وهنا نعرض لكم دور إحدى أهم الزوايا في تاريخ المغرب، الزاوية الشاذلية التي أسقطت بشعبيتها دولة الوطاسيين الضعيفة وأقامت دولة السعديين القوية، وصنعت تاريخاً للمغرب بعد تولي هذه الدولة لزمام الأمور، استرجاع هيبة الدولة المغربية والقيام بتوسعات كبيرة بأفريقيا، القضاء على الحلم الإيبيري والعثماني، والإبقاء على دولة المغرب كقوة بالمنطقة بعد الضعف الذي عاشته خلال العصر الوطاسي.

لما بدى ضعف الدولة الوطاسية لهذه القبائل، انشقت العديد منها عن طاعة الحكم، فيما كانت أخرى تابعة لها بشكل صوري، فضعف السلطة المركزية لذى هذه الدولة العابرة كان عاملًا أساسيًا لتشكل كيان دولة جديدة ستظهر بوادرها من الجنوب، ثم تواصل زحفها حتى شمال المغرب ومناطق عديدة.

لقد بدأ الوطاسيون خسارة معاقلهم بعد انفصال منطقة سوس، والتي كانت تشكل إحدى أهم المناطق وأكثرها اتساعًا وتمردًا، لكنها لم تكن الوحيدة التي بادرت إلى التمرد كغيرها من المناطق منذ أواسط القرن 15، القبائل وشيوخ الزوايا خلال هذه المرحلة كلهم تمردوا، ولم ترقهم الأوضاع التي أصبحت عليها الدولة الوطاسية.

ومن هنا بادرت العديد من القبائل التي كانت تحت الحكم الوطاسي إلى الاعتماد على نفسها في يخص الأوضاع الداخلية، أو المواجهات التي كانت تخوضها هذه القبائل لصد المغيرين الأوروبيين، لأن العديد من الثغور خلال هذه المرحلة قد احتلت من طرف البرتغال والأسبان، بل وأن هذه الدول الأوروبية أضحت لها أطماع توسعية داخل البلاد، وصولاً إلى فاس ومراكش، فقاومت هذه القبائل بكل ما تملك من قوة، وأدارت شؤونها الداخلية بنفسها دون الحاجة إلى الوطاسيين.

وقد استغلت هذه القبائل خيراتها الفلاحية وموارد التجارة الصحراوية التي ظلت منتعشة رغم بداية تحول الطرق التجارية تحو الغرب لفائدة الأوربيين، وهنا بدأت هذه المناطق تسترجع عافيتها، وتتقوى بالرغم من الحصار الذي فرضه الغزاة عليهم، عبر غلق المنافذ البحرية للسواحل المغربية بعد الاستيلاء عليها من طرف البرتغاليين، الشيء الذي ساهم بشكل كبير في إضعاف الحركة التجارية، وصعب عملية المبادلات البينية مع دول كثيرة.

كما أن البرتغاليين بدأوا بشن هجوم على هذه المناطق بأسلحتهم المتطورة، وضرب اقتصادها حتى ترضخ لهم ولرغباتهم، وتكف هذه القبائل عن مقاومتهم، وأمام هذه الأوضاع تضررت الموارد التجارية للمنطقة، كما نقصت الأعمال التي كانوا يمارسونها.

بات الغزو البرتغالي والإسباني يلاحق المغاربة كظلهم في ظل عدم قدرة الدولة الحاكمة على حمايتهم، وهروبها إلى طلب النجدة من الإمبراطورية العثمانية لإخماد نار التمردات التي بلغت ذروتها، ولم تنفع معها الإيديولوجية الدينية التي كانت قد استخدمت لهذا الغرض، التفت قبائل سوس حول فروع الزاوية الشاذلية التي عرفت شهرةً وتوسعاً كبيرين، وباتت لها شعبية كبيرة، من أجل رد الطامعين وصد المغيرين من الصليبيين المحتلين المسيحيين، وتحرير الثغور المغربية تحت راية الجهاد، وإعادة الإعتبار للمغاربة والإسلام، هذه المقاومة احتاجت إلى عقيدة دينية قوية واستعداد كبير، الشيء الذي رسخته هذه الزاوية في فكر أتباعها من المجاهدين، مؤكدة على الخطر البرتغالي في حالة الفشل في دحرهم والقضاء عليهم.

فالهزيمة بالنسبة لهم تعني حتميًا نهاية الدين الإسلامي في هذه المنطقة وضياع أرض الأجداد، وهكذا اقنع المجاهدون وأتباع الزوايا بضرورة إقامة كيان يستقطب القبائل، ويوفر الموارد، وينظم المقاومة، واستقر الرأي على ترشيح إحدى الأسر الأكثر حظوة لدى السكان، وهم الأشراف السعديين.

الهوامش:

  • أوضاع المغرب قبيل قيام الدولة السعدية: (بداية القرن16)

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

عبد اللطيف من المغرب أستاذ في التعليم الثانوي، تخصص اللغة العربية، كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق