ثقافة وفنون

دلالات الماء في شعر قاسم حداد

 السمة الإدراكية للواقع الشعري، دلالات الماء في شعر قاسم حداد

إن السمة الإدراكية للواقع الشعري من أهم الخصائص النوعية لها. الإدراك الحسي هو المادة التي يتكون منها المبدعون أعمالهم ، وهي تقوم على نوع من التجريد يميزها عن مجرد نسخ التصورات، وتوحيد مع قدرة المخيلة على التحرر من أعباء المادة وحبسها المقيد للصورة والأسلوب، ورمز الضوء في الماء هو الرمز المطابق لجماليات الفرح؛ إذ يبحر قاسم حداد عبر عوالم الإنارة الرمزية التي تدل على الفرح. إذ يجعل من الضوء في قصيدته مجالًا عاطفيًا ، تخضير الأرض بمرور الحبيب بالإضافة إلى البعد الميتافيزيقي الذي أعطى القارئ إحساسًا نفسيًا بالضوء من خلال الانسجام الروحي الطبيعي، يقول في قصيدته (تلك):

تلك الرشيقةُ مشقوقةُ القميص
طائشةُ الشعر
تلك الضائعة
منشورةُ الأجنحة
مأخوذةٌ بفكرة الآلهة
تلك المكترثةُ بعبءِ الخَلْق
غيرُ المُتاحة في القصائد،
لا أعرف لها صفةً ولا طبيعة

ولم يكن الماء رمزًا عفويًا في تكوين الصورة الشعرية لقاسم حداد، لأن البحر هو ذلك الرمز اللامتناهي الذي يعكس صورة النور في الشعر والروح ، فالنور هو الإحياء والقيامة المتجددة خلف قضبان الحزن والألم ، “التشبث بالخطأ – وإنقاذها من أخطاء الأمواج”. من خاصية الشعر. الشعر هو معرفة أنفسنا من خلال الشاعر الذي نقرأه، يقول:

أنت . وهل يجهلك العاشق . أنت
تغسلين اللغة المزهوة اللون. هنا لغم
.وفي خديك أو في العطش الشمسي خيط
تنشرين اللغة المألوفة الغريبة
هل بيننا جسر من الخوف
استرح يا لهب الموت الذي يغزو غبار الوطن
الأول . تأتين من الأزرق حتى آخر الأرض
لتدنو طفلة مستعرة
كخدود الشجرة
اطلعوا من خضرة اليأس
فهذا الوطن الأنثى وأنتم
أنت
هل يعرفك العاشق أم يجهلك العسكر
هل يلتقيان
بين جلد الجسد المسحوب من آخرة الماء
وبين الشهداء
وأنا – أنتظر الوقت لكي يدخل في الوقت
وطير يحمل الأطفال في ريش من الطين – هنا
جالس ليست يدي صارية تعلو ولا كفي شرار
انه الليل الذي حو لني غصنا من النوم إلى الماء
فصار الماء نار

ومن دلالات الماء عند قاسم حداد أنه ينطوي على الفرح؛ ومما لا شك فيه أن الفرح والضحك وجهان لشعور واحد. الفرح لا يعني شيئًا ، ولا يعطي بعدًا دلاليًا دون الضحك، بكل معانيه وأبعاده ، وأساليبه الشعرية التعبيرية. كانت وظيفته الأولى هي التعبير عن الجوانب العاطفية للنفسية البشرية وأعلى مستويات الشعر، والقيام بذلك في النفوس، يقول: مازال معتزلاً يموج
وزنبق في عينه
يده ملطخة بماء الوقت
في يده حرير الخيل
بعد دقيقتين عميقتين يطل في كلماتكم
للغصن تاريخ ومرآة وقيل نجومكم حبلت
فلا تتأخروا
ما زال مشدوهًا ومحترقًا
وتصحبه القواقع والمحارات التي شهقت
وسوف . دقيقتان غزيرتان
وآه آه البحر
لا تتناثروا
قد ينهض البحر المسجى في السواحل
راكضاً فرحاً

ويعيش حداد الشاعر قصة حب بالماء وأعماقه. استقبله بلطف ومع البشر ، وفتح له أبواب قلبه ، وكان عاشقًا مخلصًا تبادله الحب بالحب. صورته عن الشاعر وعالمه ، ومعرفته به من النظرة الأولى ، فالقبلة حب متبادل، إنها ضحكة في وجه الحياة المشرق، في وجه الحب الأبدي الذي لا يعتمد ، إنه الجمال، يقول:

مثل مرايا العرس
هرعت السنديانة نحو أغصانها تشهق
حتى آخر جرح في الجسد
تأخذ خيطا وترسم به الهواء
لئلا تسقط العصافير
جسد يتأرجح بين مرآة خرساء
ومرآة مكتظة بالخطيئة .

من الطاهر النقي الذي سيرسم بحجر العقاب هواء
يخدع به اللغة ؟

آن للشجرة أن تحنو وتشغف .
وحدها ، حركة البذار ، تخفق مثل قلب
وحدها تجعل الكفن مهداً لأرجوحة الخلق.
جرح مفتوح و الشهق يغمر العضل
ويزجِّجُ الجسدَ بنشيد اللؤلؤ
وحيوانات الثلج تركض في حرير الرغبة
وغواية المصادفات
فلنقل للذبيحة يا مباركة
يا وحيدة الجرح .

والنشوة لا تؤدي إلى الغنفصال عن العالم الحقيقي. في الواقع، سيبقى الواقع مصدرًا أو مرجعًا أساسيًا للكتابة ، وسيبتكر مناهج لحكمه بحيث يصبح – أي العمل الأكاديمي – إعلانًا أو أرشيفًا أو مركزًا تاريخيًا للواقع الحالي للخارج ، من أجل على سبيل المثال ، التصوير الموجه للشمس الذي يصوره رولان بارت كإعلان عاملة لما كان هنا بالضبط ، والضحك هو الصورة المائية بالداخل عندما كان حداد في التفاصيل الدقيقة وأجزاء من هذه القطعة ، لذلك كانت هذه الصورة انعكاسًا لليلى ، متحدثتها ، مكان رؤاها المميزة، والمكانة المذهلة فيها، يقول:

طرحت ثيابَها لتغتسل، ونظرَتْ في مرآةِ الماء, وسألتُها: (ويحه، لقد علق منِّي ما أهلكه من غير أن أستحقَّ ذلك، فنشدتُكَ اللهَ، أصَدَقَ في صفتي أم كذب؟)

فسمعتُ: (لا واللهِ فقد صدق، ولم يكن مادحاً لكنَّه وصفَ ما وقعَتْ عليه عيناهُ وجسَّتْهُ يداه وذاقتْهُ حواسُّه كلُّها، فلا تثريبَ عليه إنْ هو جُنَّ بكِ وجُنَّ عليكِ)

فاستعذبت ليلى هذا، وقالت: (وحقِّ هذا الماء إنَّه يستحقُّ منِّي أكثر من ذلك، فوالله لأعطينَّه حقَّه، من غير أن يلومَني أحد).

وتتحول دلالات الماء من الفرح إلى الوحشة والظلام في أشعار قاسم حداد، فالظلمة هي الغموض الذهني الذي تنعكس فيه صور الماء على تكويناته المتنوعة ، وطرقه بين ما بدأ من الأرض ، أو سقط من السماء ، أو الصور الجميلة الأخرى التي تم الحصول عليها من تجربة جميلة مماثلة ووجودها. لدينا جوهرها ، يجب أن ننسق معها مصباح كهربائي ، وهذا هو الشيء الذي يجعل الكُتَّاب يتذمرون منها، وهي لا تزال مندهشة من الضبابية، وكأنها تمثال، أو … أعيننا نتسرب من أجل تلك الأمسية التي لا يمكن اكتشافها، طالما أن الظلام يكتنفه الغموض، فهو لا يظهر فقط عندما توصل الآية صوتها لجودتها، وعندما يدق هذا الصوت، ينحني الفنان في صوته. جودة، يقول:

تعرفُ مخلوقاتي لغةً

تعرفُ غيماً وحشيَّاً يرتادُ السُّفنَ المقذوفةَ للشُّطآن

يغرِّرُ بالرِّيحِ لكي تأخذَها للتِّيهِ السَّيِّد

تكشفُ عورةَ دارٍ خانعةٍ

وتفضحُ غدرَ الصَّاريةِ الأعلى بالنَّورس

لغتي تطلعُ من فضحِ العارِ وثلجِ النَّار

لغتي تبدأُ بالأحجارِ السَّوداء

لغتي… هذا الماء.

وأخيرًا فقد تنوعت دلالات الماء في شعر قاسم حداد بين الدلالة على الضياء والنور إلى الإشارة إلى الفرح، ومن ثم الدلالة على الحزن والظلمة والوحشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى