مدونات

دعنا من السياسة، لنلعب كرة قدم!

يعاتب البعض -وقد كنت منهم- هذا الشعب على اهتمامه بكرة القدم ونسيانه لواقعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي المزري، لكن لا أحد منا نظر بعين عادلة وسأل عن الأسباب التي جعلت هذا الشعب يلجأ الى الملعب المستطيل ليفرج عن مكبوتاته وآلامه، بل ومنتظرا لانتصارات قد لا تأتي.

جلت في تفكيري وحاولت ان أتقمص جسد وتفكير هذه الشعوب المحرومة، الأمر كبير علي، لكن لكوني جزء منه استطعت معرفة سبب رئيسي، نفسي،جمعي، يقف وراء هذا الامر.

إنها “الشفافية” فلعبة كرة القدم تراها امامك على ملعب مستطيل أخضر، وفيه تستطيع الحكم على أداء اللاعبين وعلى قيادة المدرب، هذا يلعب، وذاك لا يلعب، لكن هل يتأتى لك هذا في عالم السياسة؟

عالم السياسة غامض لا تدرك فيه اللاعبين الأكفاء من اللاعبين المحتالين، كلهم أمام الميديا مجتهدون، لكنهم بمجرد اقفال الكاميرات في الفساد مذنبون، على من تحكم؟ اذا كان القضاء بسلطته احتار، والرئيس ان كان نزيها بفساد مرؤوسيه عقله قد طار، هذا مسؤول يمضي جل ايامه في البار، والتلفاز يظهره لنا مع زين الأخبار، بمن تثق والفساد عم كل الامصار؟

لهذا ابتعد هذا الشعب عن سياساتكم عن برلمانكم، عن مشاريعكم، عن قاداتكم، عن أحزابكم، عن اكاديمييكم، عن محلليكم… ابتعد ليجعل من اللاعبين الدوليين قادة، ومن محللي القنوات خير سادة، ومن المعلقين خطباء تشنف الاسماع ولا تؤذي الرؤوس حين النوم على الوسادة، ما وجد الشعب لديكم الا فسادا صار عادة، واهتماما بذوي النفوذ والأجنبي والمادة، وتمييعا للثقافات الجادة.

لا تلوموا الكرة أيها المثقفون، ولا تلوموا الشعب إن عزف عن السياسة، بل لوموا من صنعوا الكرة ملهاة، فانقلبت عليهم وجعلتهم وسط المقلاة، صنعوها لنا ليخونوا ويبيعوا في الظلمات والكواليس، لكن الكرة انقلبت على بني ابليس، الكرة صدحت شعوبها رفضا لصفقة القرن، رفضا لبيع فلسطين، رفضا لبيع البلاد والظلم المهين، الكرة طارت في الهواء، تعدت الحدود، والجمود، وجمعت بين الاخوة الاشقاء، الكرة تسجل اهدافها في مرماكم، وأنتم أيها الفسدة اثخنكم الفساد، وصرتم بكروش ممتلئة لا تقوون على صد أهدافها، الكرة والصنم الذي صنعتموه، يدينكم ويحاكمك اليوم، فأين المفر، فلتدعوا حكامكم، ليصفروا نهاية أشواطكم، وإلا فستصيرون انتم الكرة، تتقاذفها أرجل الشعب، تركلها، وتسجل.

كلمة أخيرة الى الشعوب:

ربما حان الوقت للنهوض من طاولة المقهى، حان الوقت لتغيير وضعية المتفرج في تلك المقابلات الكروية، الى وضعية اللاعب والمدرب.

وكما يناور السياسيون بك ناور بهم أيها الشعب، ركونك في موقع المغلوب أذية لك، فاوض السياسي الكاذب المحتاج الى شرعيتك، لا تعطي له شرعيتك الا بعد استيفاء جل مطالبك، لا تكن ثورا هائجا يطارد اللون الأحمر، بل ثر في المدرجات وكن انت المتفرج والمدرب معا، والسياسيون هم اللاعب وهم الضحية، هم الماسك باللواء الاحمر وهم الثور المجروح، لقد ولى الزمن الذي تكون فيه دائما أنت الثور، وأنت الضحية، شجع الفارس أو شجع الثور، شجع الحاكم أو شجع المعارض، العب بينهما وحقق مصالحك المثلى، دون ان تكون ثورا هائجا، حافظ على ملعبك على دولتك، ان يُقتل الثور فذلك عُرف، لن ينهد الملعب بمقتل ثور…ان يضرب الثور الفارس، يجرحه أو يقتله فتلك ثورة، هناك خطورة… لكن هذه الخطورة تنتهي باستبدال الفارس بفارس آخر، ولن ينهار الملعب وستستمر الدولة… لكن الخطر كل الخطر ان يكون الشعب هو الضحية، حينما تكون انت الضحية ويصاب كبرياؤك وكرامتك وتقتل وترفس، فاعلم أن الملعب سيتزلزل، والدولة ستنهار… لهذا كله ناور كما يناورون ليس إذعانا لهم، بل حفاظا على ملعب يضم الكل بصالحيه وطالحيه ومنافقيه وسياسييه ووصولييه… كن أنت السيد والمتفرج أنت من يحكم على أداء الحاكم واللاعبين… وأنت من يحدد الضحية والأهداف، وافتخر بموتاك وأحيائك فأنت الأمة، التي يغازلها دستور البلاد ويخطب ودها ورضاءها كل حاكم…

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق