مدونات

دار عمي أسعد.. هل تبقى على حالها؟

في طفولتنا كان هناك دائمًا بيت يَسكن مخيلتنا الصغيرة، كنا ندعوه بيت الأحلام، بيت تُزينه الخضرة من كل جانب، تطير فيه الفراشات بألوانها البهية وتحط كل حين على ورداته ذات الألوان الجميلة، ويحلق فيه الحمام الأبيض فاردًا أجنحته وسط السماء، تعلوه السماء الزرقاء وتحل عليه نسائم الربيع كل حين.

كنا دائمًا نتساءل متى نكبر لكي نملك بيت الأحلام هذا، كنا نقول بأننا سنبذل أقصى جهدنا في العمل كي نستطيع امتلاكه، سنفعل كل ما في وسعنا لكي نحصل عليه.

دار عمي أسعد كما حكت لنا جدتي يشبه كثيرًا بيت أحلامنا – الذي حلمنا دومًا بامتلاكه، ولكن عندما كبرنا فوجئنا أن امتلاكه محض أوهام وتُرهات – لطالما حكت لنا جدتي عن هذه الدار ولطالما ظننا وجود هذه الدار ضربًا من ضروب الخيال، كنا نقول ربما تحكي لنا جدتي عن بيت أحلامها هي أيضًا، ويخيل لها أن هذه الدار حقيقة.

كانت تحكي لنا عن دار كبيرة لا يعرف الهدوء لها سبيلًا، ضحكاتُ الصغار ولعبهم بالدار نهارًا، وفي المساء يصدح الدار بحكايا الجدات عن قديم الأزمان.

كلما مررت على دار عمي أسعد قابلتك رائحة خبز الطابون وزيت الزيتون لترحب بك، سواء كنت من أهل البلدة أو غريبًا عنها فأنت مرحب بك في الدار.

كانت دائمًا تُعلق مفتاح الدار كالعقد في عنقها، وكلما حكت عن الدار تمسكه بيدها وتغمض عينيها وتحكي وتحكي حتى يغلبنا النعاس، وتأبى أن تخلعه لنراه ونمتع أعيننا بجماله، كنا نريد أن نمسكه بأيدينا أن نتحسسه لكي نعلم يقينًا أن هذه الدار موجودة حقًا، وأن وجودها ليس ضربًا من ضروب الخيال.

جدتي تركت الدار في طفولتها، أو على وجه الدقة أُجبرت على الخروج من الدار، منذ أكثر من ستين عامًا، ولكنها مازالت تتذكر الدار بكل تفاصيلها وكأنها كانت تزورها البارحة، مازالت تخبرنا كل صباح أنها رأت دار عمي أسعد في حلمها، وأن الدار مازالت على حالها.

برغم أن أهل الدار لم يعودوا فيها، فقد طُردوا منها جميعًا، وبرغم أن تفاصيل الدار لم تعد تشبه تفاصيله قديمًا، ولكنها تؤمن أن كل شيء كما كان، وأن أرواح أهل الدار الأصليين تطوف حول الدار لتحفظه، حتى يعود أهل الدار بدلًا من أولئك المغتصبين الذين دنسوه.

جدتي وافتها المنية وهي تحلم بيوم العودة للدار، وتحكي لنا عنها صباح مساء حتى نصدقها أن الدار موجودة حقًا، مفتاح الدار الآن في عنق والدتي تأبى أن تخلعه هي أيضًا عملًا بوصية جدتي، ألا تخلعه حتى تعود لتلك الدار.

أظن أن روح جدتي هناك الآن عند دار عمي أسعد تنتظر قدومنا بفارغ الصبر، أظنها الآن تشعر بالسلام، وهناك يقين في صدري – رغم أني لم أرى الدار – أنها تشبه حكايا جدتي وتشبه بيت الأحلام، وأننا سنعود يومًا لها رغم طول الفراق.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

إسراء طارق

تائه لا يصل...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق