سياسة وتاريخ

“داحس والغبراء” تحاصر الحرّيات

داحس والغبراء” تحاصر الحرّيات .. يمكن أن تفسّر بعض الأحداث التاريخية التي حدثت في مجتمعات مختلفة أحداثًا أخرى وقعت في مجتمع معيّن، أي أنّ الذي حدث بين المسلمين وفرنسا بقيادة ماكرون يعبّر حقيقة عن موقف معاد لشعوب تختلف في عقيدتها عن ما يعتقده ماكرون، ولأنّهم كذلك فهم يصنّفون في خانة البشر غير المرغوب فيهم، يجوز ذمّهم وإهانة عقيدتهم والإساءة إلى رسولهم، ولهذا فقط قامت ثائرةٌ “داحسْ-غبرائيه” في دائرة فرنسا المتحضّرة والتي تؤمن بالحرّية في جغرافيتها وتنكرها في جغرافيات أخرى.

من غير المعقول أن لا يرتبط سلوك ماكرون بتاريخ من العلاقات المتوتّرة بين حضارته وحضارة الجنوب الإسلامي، فلقد أكّد تصوّره العدائي للإسلام الذي اعتبره “في أزمة” ونظرته للرّسول عليه الصلاة والسلام إنّ العلاقة التي يؤمن بها تأخذ حقيقتها من ترسّبات الحروب الصّليبية في موقفها الاستئصالي من كلّ ما يمتّ بصلة للإسلام، ومنه راح يصبّ جامّ غضبه على عقيدة تقوم في أبسط مبدئها على المساواة بين جميع الرّسل دون تمييز، وترى بأنّ الدّين واحد في تسلسله التاريخي المستمد جوهره من الوحي الإلهي، فلم ولن يكون عيسى عليه السلام موضوعًا لأي إساءة بدعوى حرّية التّعبير، التي لا تقف عند حدّ العقائد لأنّ هذه الأخيرة ترتبط بالوجدان القائم على الإيمان بما تعتقده العقول يقينا صحيحًا ولا تتدخل فيه بمنطقيتها.

داحس والغبراء .. إنّ الخصوصيات التي يؤكد عليها المفكر اليساري الفرنسي ريجيس دوبري، تشكّل المعيار الوجودي الذي تستلهم منه الجماعة الاجتماعية وعيها بمعنى الرّوح ومعنى المعنى، وبالتّالي، لا تدخل المعتقدات في نطاق النّقاش لأنّها قناعات يقينية، ندير اختلافنا حولها باحترام وليس بطفولية متمرّدة، وإلاّ كان البوذي أوّل من يواجه بعبوديته للبقرة، فما بالك بالرّسول محمد عليه الصّلاة والسلام. المعتقدات والأنبياء خطوط حمراء لا بدّ للعقل الفرنسي أن يواجه ذاته بها، لأنّ أبسط شيء كان يرد به المسلمون مواجهة الإساءة بمثلها، أي سب النّبي عيسى عليه السلام، لكن لم ولن يقع ذلك، لأنّ بقية باقية أخلاقية ما زالت تدير سلوكنا باعتبار أنّ أنبياء الله جميعهم وحدة واحدة.

“داحس والغبراء” وضع سلوكي لا يعبّر سوى عن ردّات الفعل التي يغيب فيها التحكيم العقلاني القائم على الحوار وإثبات واقع الحال، باعتبار أنّ السّباق ليس هو منتهى مآل الوضع والقيمة في سلم قيم الجماعة الاجتماعية، إذ كشفت “داحس والغبراء” في جانبها الرّمزي على خلو الفضاء الاجتماعي من أية رمزيات تشكل المخيال الجمعي، بالإضافة إلى فقر العقل في جانب تعايش الأفكار والسلوكات وتعيينها قصد مناقشتها حواريا، أيضًا البعد عن رؤية ماوراء الظواهر وما تستوجبه من تفعيل إوالية التأويل التي تنعش الواقع والعقل بآفاق الاختلاف، وما عدا ذلك لا يترجم سوى واحدية الرؤية والموقف وثبوت الذات كمعيار للحقيقة الواحدة، وهو ما تشبّث به ماكرون إذ كان سلوكه رد فعل على مأزق سياسي يروم حملة انتخابية، فلم يجد سوى الحلقة الأضعف في دائرته المجتمعية والتي هي الإسلام ورسوله الكريم ضاربًا بوجدان المسلمين عرض الحائط مستمعًا فقط لردّة الفعل الآنية والعابرة، والتي تَصوّرها منقذة له من وضع سياسي كارثي.

يستنجد العقل الأوربي في معاييره لتقديم هويّته المنتصرة بلحظة الكينونة الفاعلة والمنجزة في الواقع، الواقع المادي الذي تنتفي معه كل أشكال الرّوح والمعنى، فليس “وعي النّاس هو الذي يحدّد وجودهم السياسي، بل إنّ وجودهم الاجتماعي، الذي يحدّد وجودهم ذاك، خاضع هو نفسه لمنظومة منطقية من العلاقات المادية القاهرة”، حسب رأي ريجيس دوبري وهو يفسر مفهوم “اللاشعور السياسي” لديه. فمنظومة القيم التي تحترس أثناء اشتغالها من المساس بالدّوائر المنتجة لعلاقات النّاس بالمعنى تغيب لصالح موضوعية المادّة في حضورها المشروط بالفعالية الظاهرة.

داحس والغبراء .. لم يكن سلوك ماكرون سوى عودة إلى صراع المفاهيم التي تشكل وعي النّاس بالواقع وتجعل اختلافهم قريب من جدار المستحيل الذي يفصل بين النّاس باعتبارهم أجناسًا غير قابلة للتّقارب، ومنه مفهوم العلمانية المختلَف حوله والذي يعني “اتجاه متنام  لدى الإنسان للعيش بدون دين، أو لمحاولة العيش بدون دين..” وفق تعريف أوين تشادويك في كتابه “علمنة العقل الأوربي في القرن التاسع عشر”. ولا يعبّر هذا التّعريف سوى عن أفول القيم وطغيان التحرّر من كل قيد معنوي يجعل الإنسان يكتشف ذاته في فضاءات المعنى والرّوح والرّمز وجماليات الانبثاق في المعاني السّماوية للدّين، وما يترتب على هذا، يكون بالضرورة التنكر لكلّ من يقيم حياته وفق معيار الرّوح والمعنى.

لا تختلف انثربولوجيا الواقع التاريخي للحياة الاجتماعية في نظرتها لثبات المعايير التي تشكل معالم الذّات في مسارها الوجودي السّائر إلى مختلف الاختلالات الوجودية، حين يهمل عناصر ثبوته الهوياتي، ومنها المقدّس كبنية متساوقة مع ثبات عنصر من عناصر الهوية والذي يعمل في دهاليز اعتمالاته على استقرار الذّات وانبثاقها الفاعل في المجتمع وفي نفسها، حيث “وجود الأشياء المقدّسة في أماكنها هو ما يجعل منها مقدّسة لأنّها لو انتزعت من أماكنها، حتى لو فكريا، لتدمّر نظام العالم بكامله..”، هذا ما يقرّره كلود ليفي شتراوس في كتابه “العقل الهمجي”، وهو الانثربولوجي الذي عايش عن قرب التجمّعات البدائية وخبر شبكة علاقاتها المعقّدة والتي تشكل مسار تمظهراتها الاجتماعية والدّينية، باعتبار المقدّس أحد أهم بنيات الوعي بالأشياء والمفاهيم والتصوّرات، فلو اهتزّ الوعي به، فسوف يهتزّ الوعي بنظام العالم، وهو ما لم يعه ماكرون في واقع حضارته التي تسترشد فقط بمعلم وحيد ويتيم في خارطة الوعي بالأشياء والذّات والعالم، وهو حرّية التعبير.

يتكوّن الوعي بالذّات والأشياء والعالم من خلال تراكم المعرفة النّاتجة عن حركة العقل البسيطة أو المعقّدة الباحثة عن معنى عميق تدير به شبكة علاقات الذّات والأشياء والعالم وهي تبني واقع الإنسان.

ذاك المعنى هو ما يرمّم غربة الإنسان في وجوده برؤية هايدغيرية، أي الوجود- في – العالم، هذا الوجود في العالم يعني حركة وعي العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وهو حلقة الوصل بينه وبين هويّته.

إنّ العقلانية في مسعى تشكيل هوية الإنسان على الأرض ليست المصدر الوحيد لبيان الوجود الإنساني، لأنّ الوعي بالذّات تنتجه أيضًا مسارات الغيب التي يستشرف رؤيتها في الوحي مستنسغًا منه مدار حركتها (الذات) في التاريخ، إذ يظل العقل قاصرًا عن إدراك الحقيقة في كمالاتها الغيبية، ولهذا يبقى الإنسان مشرئبّا بوجهه نحو السّماء، المنعطف الذي تُنسج عنده الخصوصيات ذات الجوهر المقدّس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى