ثقافة و فنون

خيال الظل ومسرح العامة في مقاومة السلطة “طيف الخيال لـ ابن دانيال نموذجًا”

ستارة بيضاء منصبة معها ضوء خافت تفاجأ بعدها بأصوات خارجة من خيال ترقص وتتمايل مخاطبة إياك، الأمر ليس خرافة ولا أمور تخضع لأفعال الجن، لكن الأمر وما تراه هو مسرح خيال الظل!

مسرح خيال الظل هو عبارة عن دمى “عرائس” تشكل على هيئة أشخاص، أو حيوانات، وربما كانت جمادات، توضع خلف ستارة بيضاء، ومع تسليط الضوء على هذه العرائس يظهر خيالها على الستارة البيضاء، وهكذا يتم بناء مسرحيات خيال الظل.

تأتي نشأة خيال الظل في بلاد آسيا وبالتحديد في الشرق الأقصى، تشير الدراسات المسرحية إلى أن الظهور الأول لفن مسرح خيال الظل كان في الهند، وهناك أيضًا بعض الآراء التي تشير إلى أسبقية الصين لهذا الفن، لكنني أميل إلى أسبقية الهند في هذا الفن، انتقل بعد ذلك هذا الفن إلى معظم بلاد شرق آسيا ليحقق شهرة منقطعة النظير ويصبح فن الشعب الأول.

وصل الفن بعد ذلك إلى بلاد الفرس “إيران حاليًا” عن طريق التجارة التي كانت تربط بين الدولتين، وكعادة الفنون فإنها تكتسب طابع أهل البلاد؛ ليصبح مناسبًا لمناخهم الاجتماعي، لم تعرف الثقافة العربية طيف الخيال قبل الإسلام أو حتى في بداية الدولة الإسلامية، أشار الدكتور شوقي ضيف في كتابه “الفكاهة المصرية” إلى أن بداية معرفة العرب بطيف الخيال أتت في العصر العباسي؛ نظرًا لقرب مقر الحكم العباسي بالفرس، حيث مقر الخلافة كان بغداد، وهناك أطلع العرب على هذا الفن وعملوا على تطويره.

مع سقوط بغداد في يد المغول وانهيار مقر الدولة العباسية، ترك الكثير من الكتاب والشعراء العراق وذهبوا إلى الأمصار المختلفة، ومن هؤلاء “ابن دنيال” الذي انتقل إلى مصر، ومن خلاله دخل مسرح خيال الظل وكان هذا في العصر الفاطمي، وابن دنيال هو “شمس الدين محمد ابن دنيال” من مواليد العراق وبالتحديد في مدنية الموصل عام 646 هجرية، كتب الشعر والأدب لكن شهرته كانت في عالم البابات ومسرح الظل.

على يديه ازدهرت مسرحيات خيال الظل في مصر خلال العصرين الفاطمي والمملوكي، وقدم مسرحيات لخيال الظل عرفت باسم البابات، ولعل أشهر باباته هي بابة طيف الخيال، وكان سبب تأليفه لها هو الفراغ الذي أحدثه بيبرس بعد قضائه على مظاهر الانحلال في مصر، وما تبعه من فراغ ثقافي وسياسي.
وثاني دوافع دنيال هي استقدام بيبرس للخليفة العباسي أبي العباس أحمد؛ كمحاولة من بيبرس لإضفاء شرعية على حكمه -وفي تلك الفترة كانت الدولة العباسية في أوج ضعفها ومقسمة لدويلات ولا تملك أي سلطان- وكان هذا دافع للفكاهة وتوجيه النقد السياسي لبيبرس.

وتتسم بابة طيف الخيال بالطابع الفكاهي والكوميدي، حيث صورت واقع الحياة المصرية آنذاك بكل ما فيها من عادات وتقاليد، حيث دارت أحداث هذه القصة بين اثنتي عشرة شخصية خلق من خلالها الموقف الضاحك خلال المسرحية، ولكن ضحك ممزوج بالنقد على نحو:
“كم خليع يقول ذا اليوم يوم   مثل ما قيل قمطرير عبوس”

“وقضيب ونرجس وسعاد   باكيات وزينب وعروس”

“ذي تنادى حريفها لوداع   لا ناق لا ضم لا تبويس”

صورت هذه الأبيات مدى الخلاعة والمجون في هذا العصر ومدى الكبت الممارس تجاه الناس، فنجد الشاعر يصف كبار الفاسدين بـ إبليس “مات يا قوم شيخنا إبليس وخلا منه ربعه المأنوس” وهي محاولة تشبيه للحكام العباسيين في تلك الآونة، وتشبيه بـ إبليس نظرًا لإباحتهم للفسق والفجور وممارستهم له، وأن سقوطه كان بسبب فجرهم.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق