مدونات

خواطر في النهضة الحضارية للأمة الإسلامية.

خواطر في النهضة الحضارية للأمة الإسلامية .. لست مفكرًا إسلاميًا! أو منظرًا فلسفيًا! أو قائدًا روحيًا! حتى أقدم وصفة جاهزة لنهضة الأمة الإسلامية، إنما أنا مسلم كجميع المسلمين تقع على عاتقي المساهمة في إحياء أمجاد أمتي ورقيها بين أمم الأرض، والبداية تكون دائما من النفس، فيبدأ الإنسان من نفسه، بتنمية جوانبها الروحية، العلمية، الفكرية، المادية، النفسية، حتى يقدم للأخرين النموذج المطلوب للنهوض.

إرفع إنتاجيتك : من فرد لأمة خير لا ينقطع

إن خلاص أفراد الأمة الإسلامية ورقيهم،- النهضة الحضارية للأمة الإسلامية- إذا كانوا يقدسون المرجعية الإسلامية، هو خلاص جماعي للأمة بأكملها، فحينما يسطع نجم أحدهم يسطع معه نجم أمتنا، في شتى مجالات الحياة، هكذا تعلمنا من التاريخ، حينما ظهر صلاح الدين الأيوبي وقاد أمتنا لانتصارات تاريخية على الغزاة، كان نتاج تربية روحية إسلامية وتكوين سياسي أعطى قائدًا لا مثيل له، لكن هذه النماذج أصبحت نادرة الوجود في عصرنا الحاضر، فأضحى طلب العلم لأجل الدنيا، وهمشت المرجعية الإسلامية  في حياة الناجحين في مجتمعنا، حيث يتبنى البعض مرجعيات خارجية ودخيلة على ديننا، وأضحى كل من يركن للإسلام كمرجع متطرفًا يرفض السلام مع أن الإسلام هو السلام الحقيقي.

إن رفع الإنتاجية يحصل من خلال التركيز على مجال التخصص والإبداع فيه مع الإنفتاح بشكل مستعرض على المجالات الأخرى كي لا يصاب المرء بالعزلة المعرفية وهي حالة تشبه شخصًا منقطع في جزيرة نائية لا يتواصل مع آدمي. كثيرة هي النماذج البشرية التي قابلتها في حياتي من ترفض أن تنفتح على العلوم والمعارف فتجد الشخص منغمسًا في تخصصه يرفض أن يقرأ الشعر والأدب والعلوم والفنون، يزمجر حينما تتحدث له عن علم ما، ويعتبر الموسوعية لغوًا من القول، صحيح أن الموسوعية التي كانت ترتكز على نظرية وحدة المعرفة ولت من غير رجعة لكن هذا لا يعني أن لا ينفتح الإنسان على علوم شتى بالقراءة على الأقل حتى يحسن الحديث مع الناس في جلساتهم، حتى تكون له صولة وجولة في كل نقاش وربما أفاد الناس حينما لا يجدون سوى المتقوقعين أقصد المتخصصين.

يجب أن تكون نية الفرد نفع الأمة وليس الدفاع عن مصالحه الضيقة التي لا تتعدى فائدتها دائرته الصغرى ومحيطه الشخصي، فخيرية الأفراد يجب أن توظف لصالح الأمة ونهضتها وأن تكون غير منقطعة في الزمان والمكان، وبهذا تبنى الأوطان، ليس بالأنانية وحب الذات.

من المفروض أن يراقب المسلم يوميًا إنتاجيته اليومية ولا يقبل بأي حال من الأحوال أن يظل اليوم كاملًا يتنقل بين المواقع ولا يستفيد من وقته، حيث يعيش سبهللًا كما قال السابقون الأولون، من كانوا يرفضون أن يروا الشخص في فراغ قاتل لا هو في عمل دين ولا عمل دنيا، وما أكثر هذه النماذج من تحرص على تتبع كل الأخبار بشتى أنواعها، وتفتح النقاشات حولها وكأنها معنية بتغيير العالم، وهذا ما لن يحصل أبدًا، فالتغيير يبدأ من النفس، الخلاص فردي بالدرجة الأولى.

مقومات النهضة: تأسيس عقدي ومرجعية إسلامية

نحن جيل إنتهازي، جيل كان يحفظ القرآن الكريم ليجتاز الإمتحان! حفظنا سورًا كثيرة في الإبتدائي ونسينا كل شيء فيما بعد، أتذكر في السنة الثالثة إعدادي أستاذ التربية الإسلامية الذي قال لنا لا يجب أن نحفظ لأجل الاختبار فنحن مسلمون والمفروض أن نحفظ كتاب الله عزوجل، فلا يجب أن تكون غايتنا دنيوية، كانت تلك الكلمات بمثابة المنبه ولغيري كي نتعظ، فراجعت سورتي الحجرات والفتح وتعاهدتهما كي لا انساهما أبدًا، لكني سأعود لنفس الممارسة في السنة الأولى بكالوريا حيث حفظت أية الإرث في سورة النساء لغاية في نفس يعقوب، وكانت غايتي الإمتحان الجهوي! فبمجرد ما يمر الإمتحان تقوم بمسح عشوائي لمعلوماته، لأنك تتدرب أن تُخزن وتستفرغ!

أما دروس التربية الإسلامية فكانت دروسًا ثورية، تقدم حمولات تربوية في غاية الروعة أتذكر أن مكون السيرة كان في غاية الإحترافية ولن انسى تلك اللحظة التي خشعت فيها في امتحان المستوى السادس حينما سمعت آية الغار، التي تؤرخ لتحول مهم في مسار الدعوة الإسلامية، كانت تذكيرًا لنا بأن لا نحزن فالله معنا وهذا مجرد امتحان دنيوي عابر، أعدوا لامتحان ليوم تشيب فيه الولدان.

أما الأن فالسيرة النبوية وغيرها من المكونات اُستبدلت بمصطحات جديدة، وأصبح التلاميذ لا يسايرونها تمامًا، فلم يتأسسوا عقديًا ولم يتعرفوا على سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم،

فحينما تُستبدل الأذكار الإسلامية بالإتكيت فعلينا أن نبحث عن الخلل، هل شريعتنا ليست في المستوى كي نتجاوز مبادئها منتصرين لمبادئ الآخر؟

إن إدماج مادة القرآن الكريم والعقيدة في مختلف المراحل التعليمية في مدارسنا لضرورة ملحة لتأسيس أبناءنا عقديًا وتحصينهم من الغلو والتطرف، حتى يخرج لنا مهندس يعرف دينه ويدافع عنه بعلمه، وحتى نتجنب تلك النماذج التي تتميز في تخصصها وتتنكر لعقيدتها ظنًا منها أنها السبب في الركود الحضاري الذي نعانيه منذ قرون.

معشر الآباء الكرام علموا أبناءكم العقيدة الإسلامية الصحيحة، أكيد أنك تفتخرك بإبنك المهندس المغوار وابنتك الطبيبة التي لا يشق لها غبار لكن هل أعددتهم للأخرة؟ هل علمتهم دينهم كما يجب أم أنك ممن يريد الدنيا وما لك في أخرة الرحمان من خَلاق، إني أهيب بكل المسلمين أن يوازنوا بين الاهتمام باللغات والاهتمام بالقرآن، اجعلوا أخلاق أبناءكم قرأنية، نحن خير أمة أخرجت للناس، نأمر بالمعروف ننهى عن المنكر نصبر على ما أصابنا، نقول كلمة الحق ولا نخشى في الله لومة لائم، لأننا نَتَّبع أحاديث سيدنا ونبينا صلى الله عليه وسلم، فما أخطأنا ما كان ليصيبنا وما أصابنا ما كان ليخطئنا، والسلام على من اتبع الهدى.

إن المرجعية الإسلامية هي البوصلة في بحر ظلماتك الذي تعيشه، فلن ينفعك اليسار أو اليمين فكلهم على صعيد واحد، فلا تؤمن تمام الإيمان حتى تُحَكِّم الله في مملكة ذاتك ولاتجد في نفسه تضيقًا من أحكام الله، فكما نحتاج في الفيزياء لمرجع لدراسة حركة جسم في الفضاء، فتجد معلم فريني وكوبيرنيك، تجد في حياتك معلم واحد ومرجع واحد يؤطرك تحل ما يحل وتحرم ما يحرم،يصبح هواءك الذي تتنفسه.

أعلم علم اليقين أن كلامي لن يعجب الكثيرين بل منهم من سيتهمونني بالظلامية والرجعية وأنني أدافع عن القديم وأصطف مع التخلف! ومنهم من سيتحجج بمبدأ الاختلاف رحمة، لكن يا صديق الاختلاف مع البشر رحمة وليس مع رب البشر، الله مولاك وضع لك المنهج القويم وإن تجنبته هلكت، وتعددت أنواع الهلاك وأقواها هلاك نفسي يجعلك تموت رويدًا رويدًا.

اللغة: أزمة هوية أم هوية الأزمة!

كلنا نبحث دائمًا عن مصادر لدراسة اللغات الأجنبية لنندمج في سوق الشغل، وكم يفتخر الإنسان بالتمكن من اللغات العالمية، لكن في ظل هذه الدوامة تصبح اللغة الأم العربية مجهولة حتى لدى أبناءها، أكيد أن تعلم اللغات الأجنبية واجب شرعي حضاري لابد منه، لكن إتقان العربية فرض عين على كل مسلم، فما يتحقق به الواجب فهو واجب، فالمفروض من المسلم أن يعرف قواعد العربية ويوظفها في كل تدويناته على الشبكة إلى جانب اللغات الأخرى، فالعربية ليست البتة لغة ميتة، هي حية، حية في قلوبنا وقلوب كل المسلمين من المحيط للمحيط، لا يجب أن تحتقر العربية فنحن نتقرب لربنا بالتحدث بها وإتقانها.

حيث ما وليت وجهك تجد اللغات الأجنبية حاضرة في الإدارات في القنوات، في المستشفيات، في اللقاءات والندوات! حيث يتم إقصاء عامة الناس من الاستفادة من علم ما، لأنه يتقنون لغة واحدة أو لا يتقنون أية واحدة، فإدراتهم تصدر منشورات باللغة الأجنبية وأطباءهم يرفضون الحديث بالعربية، بل وينصحون مرضاهم في بعض الأحيان بالفرنسية! ويتحدثون بلغة علمية مع عامي، لا يفقه حتى العربية!

تابعت في فترة الحجر الصحي بعض الحملات الإعلامية على القنوات التلفزية والتي كانت باللغة الأجنبية، فمذيع يشرح بالفرنسية كيفية الإستفادة من دعم التوقف عن العمل في عز الوباء، وكأن الكل سيفهم ما يقول، متجاهلًا أن فئة عريضة تعاني من الأمية وحتى من درس خلسة، كان حافظًا دون الفهم.

إن التطور الحضاري يكون بإتقان اللغة الأم وإتقان لغات البحث العلمي بجانبها، ولا بأس أن ينفتح المرء على اللغات العالمية فيعكف على دراستها، لأنه بذلك يضيف زادا معرفيًا ينضاف لحصيلته اللغوية، فيرى العالم من نافذة أخرى وهذا أمر محمود جدًا نريده لأبناء أمتنا العظيمة.

إن كل الأمم التي تطورت وتقدمت اعتمدت على لغتها الأم بدرجة أولى وانفتحت على اللغة الأجنبية المهيمنة في مجال البحث العلمي وهي حاليا الإنجليزية بنسبة 80٪ من الأبحاث كلها تُكتب بها، وبالتالي سنحتاج لحركة تعلم وترجمة كبرى للكتب العلمية لنعاود النهوض مرة أخرى من سباتنا العميق،

أتذكر ذات مرة كنت برفقة أحد الأصدقاء وكنا مستضافين عند أحدهم فسألنا عن تخصصنا في الجامعة فقلت تخصصي وقال صديقي تخصصه وأضاف أنه درسه باللغة الفرنسية، وجميعنا يعلم أن ذلك التخصص يدرس بهذه اللغة في المغرب، إذن لماذا يضيف المرء لكلامه هكذا عبارات؟ وهل الدراسة بلغة أجنبية تمنح المرء ذكاء!! لا أعتقد وإنني أجزم أن الذكاء يرتبط بعوامل أخرى لا علاقة لها باللغة،اللغة مجرد وسيلة للتعبير عن أفكارنا وأحلامنا وأحاسيسنا ومشاعرنا.

النهضة الحضارية للأمة الإسلامية .. إن الحضارة من الحضور، فإذا كانت لك حضارة فأنت حاضر على هذه الأرض وإذا كانت مزدهرة فأنت موجود بقوة، وإذا أفلت شمسك فلا تبحث عن شمس أخرى إنما هي واحدة في مجرتنا! ابحثو عن شمسنا، نريدها أن تسطع من جديد، نريد أن تدفئنا بأشعتها وأن نحس بالدفئ فما أكثر الغيوم في سماءنا وما أندر النجوم في عوالمنا.

اقرأ أيضًا:الإيمائية .. ونشأة وتطور اللغة

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق