ثقافة و فنون

خواطر حول التعلم الذاتي والنقد الذاتي

يقال ان أجمل الأفكار هي التي تأتينا بغتة دون سابق إنذار او إشعار، هكذا كانت فكرة هذا المقال بدون تخطيط مسبق، توافدت خاطرة بعد أخرى وقررنا المضي قدما في كتابة هذه الأفكار،في تدوينها قبل أن تختفي وتندثر في بحور النسيان.

ثورة التعلم الذاتي

لم يكن يظن استاذ الرياضيات الأمريكي من أصل هندي سلمان خان ان الدروس التي كان يقدمها عبر الانترنيت ستتوج بتاسيسه لقناة عبر اليوتيوب لتعليم مختلف العلوم وسيطلق على قناته أكاديمية خان khan academy وستتوالى بعد ذلك قنوات اليوتيوب التي تتخصص في كل شيء النافع والتافه، حتى أصبحت موجة الدروس عن بعد online courses إحدى اهم وسائل التعلم في عصرنا، خاصة مع التطور التكنولوجي الرهيب، الذي يفرض على الجميع أن يقوم بتحديث updateلمعارفهم بين الفينة والأخرى حتى لا يموتوا معرفيا!

الموت المعرفي هو إحدى ظواهر الي تعاني منها مجتمعاتنا، وهي بارزة للعيان لا تحتاج ان أشير لها باصبعي، فالبحث العلمي في أوطاننا ضعيف جدا، فالحصول على الشهادة عندنا يعني بداية الراحة العظمى مدى الحياة والتمتع بامتيازات المنصب الوظيفي، فكثير مايتوقف العديد من الطلاب عن التعلم بدعوى انهم حققوا أحلامهم، وأي احلام! هي ربما أحلام مادية وحتى وإن كانت علمية لا تعد البتة مصوغا للتوقف عن التعلم.

في مجتمعات الموت المعرفي يستغرب الناس حينما تحدثهم عن عشقك للكتب، وعن متابعتك للمفكرين الكبار، والمخترعين والعلماء، لكنهم لن يستغربوا إذا حدثتهم عن المغني المفضل والممثل المفضل. لكن رغم هذه الظروف القاسية التي تحيطنا من كل جانب إلا أنه تبرز مبادرات شبابية عربية تنعش الأمل في مستقبلنا وهنا اخص بالذكر مجموعة على الموقع الأزرق، المجموعة إسمها بالإنجليزية Free courses and books التي يعمل كل المنخرطين فيها على نشر ثقافة التعلم الذاتي، التطوير الذاتي بسلسلة مقالات وترشيحات كتب وترشيحات كورسات في شتى مجالات العلم، وهذه وسيلة في حد ذاتها تشيع ثقافة مشاركة المعلومات والمهارات الشخصية بدل مشاركة الصور فقط(مع انه يفترض نشر الصور والأنشطة الشخصية في حدود المعقول والمقبول)، لأنه ربما تحركت نزعة الحقد والحسد لدى أحدهم تجاه انشطتك، فوصية نبي الله يعقوب لإبه يوسف بعدم التحدث برؤياه في حضرة إخوته لانهم سيكيدون له كيدا، هذا حال الإخوة، فما بال الأجانب الذي لا تجمعك بهم في أحايين كثيرة سوى صداقة إفتراضية ربما تتلاشى بعملية بلوك وتنتهي العلاقة الهشة أصلا.

بعودتنا لثورة التعلم عن بعد نسجل نماذج مشرفة في منطقتنا العربية التي تقود هذه الثورة التعلمية وتحاول بكل الوسائل نشر ثقافة التعلم الذاتي وجعلها مهارة لصيقة بالشخصية الإنسانية، وخير مثال الخبير في مجال التقنية المعلوماتية امين رغيب شاب مغربي يأبى إلا أن ينشر الإيجابية بين أبناء وطنه والأجانب أيضا فمتابعيه يتخطون الحدود، فكل درس من دروسه يعتبر فرصة للهواة والمبتدئين للإضطلاع على عالم التقنية الذي يكتسح مجالات الحياة يوما بعد يوما، يؤكد أمين ان الوقت لم يفت ليتدارك الإنسان مافات ويتعلم مايجهل، في تجسيد لمبدأ العمر مجرد رقم لا يؤثر في حياة الإنسان! او المفروض ألا يؤثر بالمرة، فالإنسان يموت حقا حينما يتوقف عن التعلم كما قال العالم الكبير ألبرت أينشتاين.

يجب أن نتعاهد أمام الله أن نظل متعلمين دوما حتى نلقاه، إن نسبر اغوار العلوم، إن لا نقنط في رحلتنا الطويلة في البحث، ألا نغتر بما وصلنا من علم، فما اكثر ما نجهل وما اقل ما نعلم، فسبحانه علام الغيوب من يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور، أما نحن علمنا محصور، بين لحظة ولادتنا والوفاة، بين البكاء الأول والتحول لرفاة.

الحاجة لنقد ونقد ذاتي متوازن في مجتمعاتنا

فرق شاسع بين النقد الذاتي وجلد الذات ،فالأول يقوم على قياس الفرق بين النجاحات والعثرات، والعمل على تعزيز تلك النجاحات والعمل على تجاوز تلك العثرات التي تعرقل المضي قدما لمستقبل افضل، هناك حيث ينشد الإنسان تطورا شخصيا يجعله يحلق عاليا مع الناجحين، لكن حينما يتحول النقد إلى بركان ثائر تتصاعد حممه بين الفينة والأخرى يتحول من نقد إيجابي تصحيحي للمسار، إلى نقد هدام وجلد للذات بدل إصلاحها، جلد يجعل الذات جد متعبة وحائرة، فيختلف عليها حتى اتباع مبادىء النجاح ويصبح اتباع طريق الفشل، أسهل الوسائل للهروب من الواقع.

النقد الذاتي ضروري لتطوير اي ممارسة سواء كانت علمية فنية رياضية، والنقد الخارجي مطلوب أيضا خاصة إن كان من أشخاص ذوو خبرة قادرين على تصويب مكامن الخطأ وتصحيحها.

كنت شاهدا كما الأغلبية من أبناء جيلي، على دخول العديد من المصطلحات للعامية المغربية منذ بداية القرن الواحد والعشرين، وسنة من بعد سنة تدخل كلمات جديدة لقاموس التعامل اليومي المغاربة، كلمات قد تبدو غريبة في بعض الأحيان مثل كلمة ذات الدلالة النقدية(العصير فكاس كبير)، إذا سمعها غريب عن الوطن شريطة ان يكون متحدثا للعربية فإنه سيظن أن تلك دعوة لمادبة بدل توجيه نقد وقصف كلامي لشخص ما، ربما بسبب أن أغلب مواضيعنا تدور حول الأكل، لدرجة تجد البعض مازال يشارك صور طعامه على وسائل التواصل الإجتماعي في استفزاز لمشاعر الفقراء والبسطاء، فتجد من يصور نفسه في المطعم الفلاني يفترس اكلة ما، وتجد من يصور نفسه يحضر ما لذ وطاب من أكلات عالمية، وهو يتجاهل أن العديد من معارفه ربما لا يعرفون حتى اسماء تلك الأكلات! فما بالك بتذوقها، ربما يفسر هذا بغياب التعاطف sympathy بين الناس فلا الغني يتعاطف مع الفقير ولا الكبير يتعاطف مع الصغير، وكأننا نعيش في غابة يستأسد فيها البعض على البعض الاخر، التعاطف هو أن تضع نفسك في نفس مكان الشخص الذي تعرض أمامه غناك وتميزك المادي، إن تضع نفسك شعوريا وإحساسيا بطبيعة الحال، ارتقوا من فضلكم فالقاع متخم…

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق