ثقافة وفنون

خلل قانوني.. سبب عجز قضاء المغرب عن البت في أزمة التعليم الخاص

برز إلى السطح مؤخرًا، صراع بين المؤسسات التعليمية الخاصة في المغرب وأولياء أمور التلاميذ، على خلفية تبادل الاتهامات بين الأطراف عن الإخلال بالالتزامات المتفق عليها فيما بينهم.

وتصاعدت الأحداث حيث شهدت تنظيم أولياء الأمور عددًا من الوقفات الاحتجاجية أمام مجموعة من مؤسسات التعليم الخاص، بسبب ما سمونه “إخلال المؤسسة بالتزامها تجاهم”.

وعلى الجانب الآخر، قالت المؤسسات التعليمية الخاصة في المغرب ردًا على انتقادات أولياء الأمور، إن الأمر يعزو إلى الظرفية التي فرضتها عليهم السلطات، مما ساهم بشكل كبير في هذا الخلل، الأمر الذي يدفع بكل طرف إلى البحث عن اجتهاد قانوني، يُلزم من خلاله الطرف الآخر بما هو متفق عليه بينهم.

وفي هذا المقال سوف نسعى لتأطير العلاقة التي تنشأ بين طرفي الالتزام بشكل قانوني، من خلال الإجابة على السؤال التالي، ما هي طبيعة العلاقة التعاقدية التي تجمع بين المؤسسات التعليمية الخاصة في المغرب وأولياء التلاميذ؟

بالرجوع إلى التشريع المغربي المؤطر لهذا القطاع، نجد أن هناك إطارين قانونيين في هذا السياق، حيث نتحدث هنا عن القانون 06.00 المؤرخ بالظهير رقم 1.00.02 في 19 من مايو لسنة 2000، المتعلق بالنظام الأساسي للتعليم المدرسي الخصوصي بالمغرب، بالإضافة إلى قانون الالتزامات والعقود المغربي المعروف بظهير 1913، وهو القانون المرجعي -إن صح التعبير- لعلاقة الالتزام المنشأ بين المؤسسات التعليمية الخاصة في المغرب بصفتها المعنوية من جهة وأولياء التلاميذ من جهة ثانية.

وينص قانون الالتزامات والعقود، على أن كل التزام يتوفر على الأركان التالية: سلطان الإرادة، الأهلية القانونية، المحل، ثم السبب، يعتبر حسب مدلول الفصل 2 من هذا القانون، بمثابة عقد متكامل الأركان ينتج آثاره القانونية على العاقدين.

وفي السياق نفسه، وضع الدكتور عبد الحق الصافي، الفقيه المغربي في القانون المدني، تعريفًا لهذا النوع من العقود التي سمها بـ”العقد الرضائي”، من خلال كتابه “الوجيز في القانون المدني” ـ الجزء الأول ـ حيث جاء في كتابه: “العقد الرضائي هو العقد الدي ينعقد مُرتبًا لكافة اَثاره القانونية بمجرد تراضي إرادتين ـ أو أكثر ـ ومن غير الحاجة لإفراغ هذا التراضي في قالب أو شكل معين”.

نخلص ومن خلال هذا التعريف، إلى أن الالتزام القائم بين المؤسسات التعليمية الخاصة في المغرب وأولياء التلاميذ، هو عقد قانوني يقوم على الأركان الموضوعية لنشوء العقد، مع إغفاله للشروط الشكلية التي من بينها التحرير المكتوب لبنود الاتفاق، وهذا هو أساس الخلاف القائم بين الطرفين.

إذا كان الأثر القانوني الموضوعي لتعاقد قائم ومثبت قانونًا، بالمقابل فإن الأثر الشكلي ناقص، مما يعيب شكل العقد، وهذا العيب يصعب إثباته قانوناً، وهذا ما يجعل القضاء المغربي عاجزًا أمام البت في مثل هكذا خلاف.

يرجع عجز القضاء المغربي عن البت في مثل هذا النزاع، إلى فراغ تشريعي في هذا المجال، الأمر الذي أكده وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، سعيد أمزازي، خلال آخر اجتماع جمعه مع اللجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، حيث جاء في معرض حديثه، “أن القانون لا يسمح بأن يكون للوزارة أي تدخل، أو أن ترفض أي موقف صارم، سواء تجاه المؤسسات التعليمية الخاصة في المغرب أو تجاه أولياء أمور التلاميذ”.

نسجل هنا فقط ما ورد في الفصل 443 من قانون الالتزامات والعقود، حيث ينص الفصل المذكور على “الاتفاقات وغيرها من الأفعال القانونية التي يكون من شأنها أن تنشأ أو تنقل أو تعدل أو تنهي الالتزامات والحقوق والتي يتجاوز مبلغها أو قيمتها عشرة آلاف درهم، لا يجوز إثباتها بشهادة الشهود ويلزم أن تحرر بها حجة رسمية أو عرفية، وإذا اقتضى الحال ذلك أن تحرر بشكل إلكتروني أو توجه بطرق إلكترونية”.

ومن خلال قراءتنا لهذا النص، يتضح أن هناك نوع من التقصير، سواء من طرف المؤسسات التعليمية الخاصة في المغرب أو حتى من آباء وأولياء أمور التلاميذ، الذين ينشأ بينهم التزام يفوق عشرة آلاف درهم، حيث يلزم الفصل السالف الذكر طرفي التعاقد بتوثيق هذا الالتزام، سواء في محرر رسمي أو حتى عرفي، وذلك من أجل الإدلاء به عند الحاجة، وهذا هو ما لا يقع من الطرفين. نشير إلى أن هذه المسألة تبقى خاصة لا يقاس عليها، باعتبار أن هناك التزامات في نفس السياق لا تتعدى مبلغ عشرة آلاف درهم. ومن المعلوم، أن الخاص لا يقاس عليه، باعتباره استثناء.

بروز الخلاف والصراع بين المؤسسات التعليمية الخاصة وأولياء التلاميذ، نابع من فراغ قانوني يشوب الإطار العام لهذا القطاع الحيوي، حيث أن هناك أكثر من 5000 مؤسسة لتعليم الخاص في المغرب؛ حسب تصريح، محمد الحنصالي، الكاتب العام لرابطة التعليم الخاص، وهذه المؤسسات تشغل عددَا من الموظفين، كما تساهم في المنظومة التعليمية المغربية بشكل مباشر.

ولهذا الغرض وجب على الدولة في شخص حكومتها، أن تتدخل في تأطير هذا القطاع بشكل مباشر، من خلال تحيين القانون 06.00 وإغناء هذه المنظومة بقوانين تكون أكثر صرامة، لتسير القطاع وتنهي كل المخالفين في هذا الاتجاه، كما نناشد الحكومة فرض العقد المكتوب بين طرفي الالتزام (المؤسسات الخاصة وآباء وأولياء الأمور) حتى ولو أن يضعوه ضمن ما يعرف في القانون المغربي بـ”عقود الإذعان”.

اقرأ أيضًا: تزايد صراع «لوبي» التعليم الخصوصي في المغرب إثر كورونا

برجاء تقييم المقال

الوسوم

mohamedabouechcharaf

الإجازة الأساسية في العلوم السياسية و إجازة أساسية في القانون الخاص، شاعر، كاتب عبر موقع 22 عربي، ورئيس جمعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق