مدونات

خلاف الظنون.. تحليل الصورة النمطية لكل من الانطوائيين والاجتماعيين

تحليل الصورة النمطية لكل من الانطوائيين والاجتماعيين

قبل عدة أيام دخلت في حوار عميق مع إحدى صديقاتي، والتي كانت تشكي بدورها من إزعاجات تلقتها مؤخرًا سواء من عائلتها أو من صديقاتها الأخريات حول شخصيتها، ذُهلت، فلطالما أبهرتني شخصيتها التي كانت تتصف بالهدوء والسكينة والعزلة، كانت تصاحب قلة من الناس الذين يشاركونها ذات الاهتمام، لم تكن تكترث لعدد صداقاتها بل كانت تصبّ جل اهتمامها بالمكتسبات التي اكتسبتها منهم.
لم تكن تحب الحفلات ولا الاجتماعات والأجواء الصاخبة، بل كانت تفضّل أن تجلس مع كتبها على أن تجلس وسط أناس أكثر ما يهمهم هو ما يفعله الآخرون وأن تضطر للخوض في محادثات سطحية هي في غنى عنها.

باختصار كانت تتصف بشخصية “انطوائية”، نعم الكلمة التي يشمئز منها غالبية الناس لسبب مجهول! ولربما لو تفكروا قليلا وتأملوا ماتتميز به الشخصية “الاجتماعية” ستجد أنهم لا يملكون الجواب الكافي لإقناعك وإقناع أنفسهم، ولكنها قناعة ترسبت في عقولهم وباتت حقيقة لا يمكنهم تغييرها، أنا لا أذم الشخصية الاجتماعية بل على العكس ولكن يجب علينا المساواة بينها و بين الشخصية الانطوائية، أعتقد أن الحكم المتسرّع على الشخصيات قد يؤدي بنا الى الظلم الاجتماعي والتنمُّر.

حينما ننظر إلى الصورة النمطية التي يرى بها الناس كل من الانطوائيين والاجتماعيين سنجد أن الشخصية الانطوائية ظُلمت بكونها تفتقر إلى العلم والمعرفة بينما نحن ندرس للعالم الشهير الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء ألبرت آينشتاين كونه وضع النظرية النسبية الخاصة والعامة، وأيضا إسحاق نيوتن الذي يعد من أبرز العلماء المساهمين في الفيزياء والرياضيات صاحب قوانين الحركة وقانون الجذب العام، فلو نقرأ عن شخصياتهم لوجدنا أنها كانت تتصف بالانطوائية ولكنهم غيروا العالم ونشروا أفكارهم لتطوير العلم والارتقاء به، باتت أفكارهم ونظرياتهم تُدرس وتنشر وتورث للأجيال، ظُلمت الشخصية الانطوائية بكونها تفتقر إلى الأدب بينما كان يقول عباس العقاد رحمه الله “أعترف أنني مطبوع على الانطواء، لكني خالٍ من العقد النفسية” وأثبت لنا من خلال كتاباته وأشعاره التي يتم تداولها إلى وقتنا الحالي واقتباسها في كثير من المواطن أن الانطوائي مبدع وأديب يستطيع المنافسة وبلوغ القمة، أيضاكان يقول الأديب غازي القصيبي رحمه الله “إني أتهيب لقاء أناس لا أعرفهم، ولا أزال حتى اليوم منطويًا ولا أشعر بالراحة عند ملاقاةجمهور كبير”، لكن رغم ذلك هو ذاك الكاتب الذي لا تزال تتصدر كتبه قائمة الأعلى مبيعًا إلى هذا اليوم وأشعاره لا تزال تُلقى على مسامعنا.

نحن نولد داخل علاقات، وهذه العلاقات هي عادة ما تطوّر شخصيتنا في المقام الأول. وسمات شخصياتنا هي ما تبرز الجانب الانطوائي أو الاجتماعي منا، فشخصياتنا مزيج من الاجتماعية والانطوائية ولكن بنسب متفاوتة وهذا ما يبرر اختلافنا عن بعضنا البعض.

وعلى عكس المتوقع فالاجتماعي بحاجة إلى الانطوائي والعكس أيضًا، كلاهما مكملان لبعضهما البعض، بل إن تعاونهما قد يحدث تأثير مدهش في شخصيتهما، وتأثيرهما على مجتمعاتهم وبيئتهم، ولكن هذا التعاون قائم على معرفتهما بالاختلافات وتقبّلها وتقديرها، قد لايتفقون بالكثير ولكن في اختلافهم الكثير من الاتفاق.

الانطوائيون يفكرون كي يتحدثوا بينما يتحدث الاجتماعيون كي يفكروا. يقضي الانطوائيون جلّ وقتهم في منطقة الراحة والأمان بينما يفضل الاجتماعيون الجرأة والخروج عن المألوف ومواجهة المخاوف بالمخاطرة. يفضّل الاجتماعيون البقاء في بؤرة الأحداث، وإجراء محادثات سطحية وعاجلة ولو كانت ثرثرة بلا فوائد شخصية أو عائدة للعمل أو غيرها، بينما يفضّل الانطوائيون الخوض في محادثات ونقاشات جديةاستنادا إلى خبرتهم في الموضوع وإثبات آرائهم ووجهات نظرهم.

لذا ما كل اجتماعية ممدوحة ولا كل انطوائية مذمومة لكن هذا راجع إلى فهم كل شخص لطبيعة نفسه سواء كان من الانطوائيين أو المنفتحين والاجتماعيين .

اقرأ أيضًا : التفكير النقدي.. تعريفه وأهم خصائصه ومهاراته وكيفية الاستفادة منه

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق