سياسة وتاريخ

خطيئة التشبيب البيولوجي للسلطة والسياسة عربيا

وعد الرئيس الجديد للجزائر عبد المجيد تبون في أول لقاء له مع الصحافة قبيل تسلمه مهامه الدستورية بشكل رسمي، بأنه سيفاجئ الجزائريين بأعمار المكون البشري لطاقمه الحكومي من وزراء ومسؤولين، الذين سيكونون في أغلبيتهم من ذوي العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من العمر، تماشيا وموضوعية العصور وموضته ومنطق الأمر، بحسبان المجتمع الجزائري في سحيق غالبيته شابا فتيا.

عليه لا يتوجب أن يحكمه شيوخ طاعنين في السن قاطعين مع أحلامه وآماله وآلامه، في الوقت الذي رفض فيه البت في مصير أجهزة الدولة القديمة البالية التي اعتادت من خلالها على إعادة إنتاج النظام، ونعني بها الجمعيات والمنظمات، وخاصة الأحزاب الموالية التي لا قواعد لها، في حين تملك قمما شامخة معلقة على الفراغ في أعلى هرم السلطة في مظهر مناقض للتاريخ وللفيزياء ولحقيقة السياسة وعلومها!

فهل حقا تقف حاجة التغيير العميق الذي يطالب به المجتمع السياسي الجزائري عند حدود التشبيب البيولوجي للحكم؟

ما الذي يمكن قوله عن أداء عناصر شابة وُليت مسؤوليات عليا في الدولة والحكومة، ولم تكن أكثر من أداة فساد لشيوخ السلطة ورجالات مالِها الفاسدين، في صورة الوزيرة الحالية للاتصالات والأمين السابق للحزب الحاكم المتواجد حاليا في قبضة العدالة بتهم الفساد، ورئيس البرلمان السابق الذي كان أول من أعلن رفضه بالسخرية المستفزة لثورة الحراك الشعبي رافضا إياها، مزكيا ترشح الرئيس السابق الهرم والمقعد بالمرض محل ثورة الحراك الشباني ومستميتا في الدفاع عنه وعن نظامه، إلى غاية يوم إزاحته بانقلاب من منصبه الذي عينته “العصابة” فيه بانقلاب؟

أزمة العمر وعمر الأزمة في السياسة عربيا

سبق وأعاز خبير العلوم السياسية المفر الكويتي عبد الله النفسي أزمة السياسة وانحباسها التاريخي عن التطور في منطقة الخليج إلى منطق الأسرة الحاكمة بالمنزع الهرمي القبلي، ما أوقع مصير الدولة بين يدي شيوخ قبائل منهكين بدنيا ومستهلكين فكريا، طاعنين في السن، لكن يستقر وعيهم المفروض على الجميع على حتمية اعتبار حكم الشباب للشيوخ إهانة للأمة، ولتقاليدها لبٍنيتها الأبوية التي على أسس ثقافتها تأسست الدولة القطرية العربية، منفلتة عن شرطيات التأسيس الحداثي لها.

الأمر لا يختلف عنه في الدول غير القائمة على تأسيس قبلي من باقي القطريات العربية، فقط استبدل لديها منطق العورة الثقافية الاجتماعية في حكم الشباب للشيوخ بالأسبقية في التأسيس الوطني والشرعية الثورية والأقدمية في ما يسمى بالنضال الوطني.

من هنا نرى بأن عوائق صعود العبقرية من القواعد المتفاعلة مع السياسة معرفة وممارسة إلى القمة، هي حالة عربية مجمع حولها بشكل أو بآخر، ما يجعل البعد الغنائمي “العصاباتي” للحكم يتجلى بامتياز، لأنه يظل واضحا للعام كما للخاص، وأنه كلما استطال الحكم لصاحبه استطاب له، وبذلك يصبح فك الارتباط الخاطئ بينهما أو الفكاك منه صعبا، وقد يغدو المسار باتجاه ذلك دمويا، وهو ما يحدث في عالمنا العربي اليوم، الذي فعلا يواجه عقبات وعقابيل جيلية جمة في الانتقال الديمقراطي والسياسي.

لكن كيف يمكن تفسير لجوء الشباب التونسي إلى انتخاب رئيس طاعن في السن إراديا في سياق ثوري يفترض أنه قاطع مع الماضي، وهو الشعب الذي عانى الويلات من حكم بورقيبة الذي حكمه جمهوريا بشاكلة إمبراطورية؟

بين أزمة العمر وأزمة الفكر

الواضح أن النشاز المتجلي ولا يكاد أبدا ينجلي في الوعي السياسي بالدولة بنمطها التقليدي الحاصل والحداثي النظري، والمتأمل بين التيارات الفكرية والثقافية الذي بلغ حد الاحتراب بالانتخاب، قد عكس ليس فقط أزمة الحكم بل أزمة السياسة وسبل تفاعلها في إطار المنظومة الدستورية، وبعيدا عن التجاذبات الإيديولوجية والمخاوف الانتقامية والالتفاف على النهج الديمقراطي الذي شهد ميلاده انقشاع وميضه مع اندلاع موجة الربيع الأولى في تونس عام 2011.

فوجود الإسلامي ذي التصنيف غير التاريخ في الساحة السياسية، يشكل مصدر تهديد للعلماني بالنظر للخطاب الفكري الذي يفضح مشروعه للدولة، وعدم قابليته للديمقراطية بوصفها ترياق الحداثة السياسية وحسن سير الدولة.

لذا يذهب العلماني إلى حد الاحتماء والاختفاء خلف العورة الثقافية التقليدية للمجتمع القائلة بعدم جواز أن يحكم شباب الأمة شيوخها (بانتخابه للباجي قايد السبسي في نهاية ثمانينات عمره رئيسا للدولة)، على أن يتولاه بالانتخاب شاب بيولوجيا وشيخ إيديولوجيا (الإسلامي)، وهو ما يعني تأجيل الفاعلية في الحكم بغض النظر عن العمر، وبالتالي نكون قد انتقلنا من أزمة العمر إلى عمر الأزمة في مقاربة وضع السياسة بالعالم العربي.

حتمية التشبيب فكر أولى من العمر

من هنا صار أكثر من واضح أن التشبيب الذي تحتاجه السياسة وكذا الحكم في العالم العربي، هو المتعلق بالفكر والممارسة بغض النظر عن العمر البيولوجي للفاعل في الساحتين (السلطة والسياسة) اليوم.

في الجزائر مثلا، في الوقت الذي رأينا فيه شبابا وشابات جيء بهم إلى عالم السياسة والسلطة من أجل إضفاء الواجهة الشبانية على الحكم ليس إلا، وهنا تبرز معضلة الحكم بقوة، في ثنائية الواجهة والخلفية فيها، لتضاف إلى ثنائية الواجهة المدنية لحكم عسكري، مثلما كان يقتضيه الحال في السابق.

لقد تحول النظام في سياق إصراره على عدم الرحيل والتغيير ومقاومته غير المجدية لمنطق التاريخ لخلق ثنائية وواجهة جديدة وهي الواجهة التشبيبية لنظام قديم، ورأينا كيف أن رئيس برلمان (الشاب) ما قبل الحراك كيف صرح ذات مناسبة خطابية بأن الله بعث بوتفليقة مخلصا ومجددا للجزائر” لذا يستحق أن يخلد جسده حتى من دون فكره على كرسي الحكم.

كل ذلك في الوقت الذي وجدنا فيه شيوخا في العمر لكنهم شباب في الفكر والوعي ممن يملكون روح العصر ويستوعبون التحولات الكبرى للمفاهيم السياسية في التاريخ.

الرائد السابق في جيش التحرير الوطني الأخضر بورقعة (86 سنة) والأكاديمي ناصر جابي، يطالبون بالتغيير والانتقال الديمقراطي للبلد بالشكل الذي يقطع مع الممارسات السابقة، ولن يتأتى ذلك إلا بكسر آليات العمل التقليدية البائدة التي ثبت أنها مجرد أدوات عرقلة عملية إحقاق الوعي وتحقيق التغيير، وهذا من خلال تفكيك منظومة العمل السلطوي والسياسي الأولى، كحل الأحزاب (الأجهزة النظامية) التي تعمل على ترسيخ وديمومة سلطة الواجهة المؤتمرة بأوامر نظام فعلي متخف، وتحييد الجيش كلية عن السياسة، وإخضاع إدارته لمسؤولين سياسيين استراتجيين مدنيين مختصين في مسألة الفكر الأمني، وفلسفة الدفاع الوطني، وترك الإدارة التقنية الحربية للعسكر.

الخلاصة هي أننا بإزاء سؤال جديد في حتمية الانتقال إلى الديمقراطية متصل بمعضلة شاكلة الانخراط في حركة التاريخ السياسي الجديد، بين الموضوعية التي يفرضها هذا الانتقال والموضوية (من الموضة) التي يستعصم بها النظام الهرمي الأبوي للقطرية العربية التي تأسست في جلها بوعي وتدبير الآخر، ونقصد به هنا طبعا الاستعمار سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويريد من خلالها الإبقاء على الواقع بالاقتصار بالوجهة الشبانية للحكم دون التشبيب في الفكر والممارسة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

  1. ازمة تشبيب النخب الحاكمة ازمة يعاني منها العربي من المحيط إلى الخليج.
    في موروثنا الثقافي، دائما ما نلتجيء للأكبر سنا بحكم لديه اكبر تجربة ، غير معتمدين على التحصيل العلمي الذي قد يتفوق فيه الشاب عن الكهل والكهل عن الشيخ.
    فكم من حاكم مستواه التعليمي يكاد يكون في المراتب السفلى، يحارب ذوي الكفاءات العلمية.
    فلا يمكن النهوض ببلد ما إلا من خلال التشبيب وفسح المجال للكفاءات العلمية والقطع مع سياسة: اللي فاتك بليلة فاتك بحيلة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق