مدونات

خطاب الجاهل

عندما يخاطب الجاهل العالم، يتعين علينا أن نفهم أسبابه، باعتباره يشكل خطرا على الأمة و على العالم، فصدق من قال بأن ما يشكل خطرا على الأمة ليس الجهل، و إنما إدعاء المعرفة، فما أكثر من يدعي المعرفة في عصرنا الراهن، وكما لا يخفى علينا أن لكل زمن فتنته و رهاناته في شتى المجالات، فرهاننا الآن في الساحة الفكرية أننا نعاني – نحن البشرية – ممن يتوهم المعرفة و يصبحون ضحية أمام الواقع المر، هم و من معهم، فأين نحن في المعرفة بين الواقع و التوهم؟ وما الحلول المقترحة للحد من تفشي هذه الظاهرة المهولة؟

يجدر بنا أن نبدأ بالسؤال الأول الذي قل ما نطرحه في واقعنا المعيش، و في هذه الحالة فنحن لا نتحدث عن الذي يعرف العلم حقا، و إنما إشكالنا من يتوهمه و يتوهم اكتسابه للتجارب العظيمة في مجالات الحياة، و غالبا ما نصادف هذه الإشكالية مع من هو أكبر منا سنا (البعض منهم )، فهم أحيانا يبالغون في نظرات احتقارهم للآخرين بدعوى أنهم لا يعرفون شيئا، و هنا أتذكر مقولة إبن قتيبة ” لا يزال المرء عالما ما دام في طلب العلم،فإن ظن أنه قد علم فقد بدأ جهله. “، والحقيقة أنه لا يوجد عالم تعمق في العلم إلا و أحس بالضعف بدل القوة، وذلك لأنه يكتشف عظمة الكون و يجد أنه لا مجال لمقارنة قوته بقوة و عظمة ما وجد في الكون، أما من كان يدعي قوته في الكون و هو مجرد إنسان، فهو في حاجة إلى مراجعة نفسه، ﻷنه في الحقيقة قد وقع في بحر الغرور.

و كل إنسان أصابه غرور بعلمه، وعلى وجه الخصوص إذا كان ذلك مجرد توهم بالمعرفة فكان عليه من الضروري إعادة النظر فيما يقوله و إعادة النظر في نمط تفكيره. و قد تكون المبادئ التي يكتسبها الإنسان أحيانا هي المسؤولة عن جهله أو عن محيطه، و رغم اختلاف أسباب جهل كثير من الناس في مجتمعاتنا، فيجب أن ننتبه جميعا للنقاط التالية:

1/ التقهقر الفكري: و هي الأفكار الفارغة التي لا أساس لها من الصحة و التي على إثرها يبني الكثيرون نظرياتهم الفارغة، و لا ينتج هذا التقهقر إلا عن الأفكار السالبة التي طالما سمعناعا من طرف محيطنا و من طرف التجارب السلبية و الفاشلة.

2/ عدم اعتماد منهج الشك: و هنا أقصد المنهج الذي اعتمده ديكارت في بناء الحقائق ما لم تكن بديهية، وهو ما يساعد على فهم الأمور بدقة، و التأكد من كونها حقيقة و ليست مجرد فكرة تقبل النفي.
3/ اعتماد مناقشة الأفكار: وهي طريقة فعالة لغربلة الأفكار و عزل الصائب منها من الخاطئة، فقد تكون هناك وجهات نظر تصحح أفكارنا و تعود بها إلى مجرى الصواب إن كانت دون ذلك.

و أخيرا فلا يجب التسرع بالقول إننا نعرف كل شيء أوحتى نعرف شيئا ما دمنا غير متأكدين منه تماما، وهذا لا يعني ضعف معارفنا أو نقص إدراكاتنا، و إنما يعني قوة صبرنا و مدى قدرتنا على اتباع منهاج محكم لاكتساب المعرفة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق