أسلوب حياة

خريف الرجل: في آخر العمر أتكئ على وحدتي شاردًا في اللا شيء

يتحدث الكثير عن خريف المرأة، ولكن نلاحظ أن خريف الرجل وإحساسه في تلك المرحلة الزمنية من العمر، موضوعٌ قد تم إهماله في الكتابة ولم يأخذ حقه. فهناك نوعان من الرجال: أحدهما يتقبل هذا الخريف بكل سعادة وفرح، والنوع الآخر يشعر بالحزن والخوف والقلق من دخوله تلك المرحلة.

يوجد البعض من الرجال يقلقون من مرور الزمن وتحول حياتهم من مرحلة الربيع والشباب إلى الخريف والشيخوخة وبداية ظهور علامات التقدم في السن، وكذلك حدوث بعض الضعف في القوة الجسدية، وتظهر علامات العجز على الوجه، فهو يريد أن يظل شبابه دائماً وأبداً.

وهناك البعض الآخر الذي يعشق خريف الرجل ولا يشعر بأي غرابة تجاه ذلك لأنها سنة الحياة؛ فلذلك نلاحظ أنه يتعامل مع التغيرات التي تظهر عليه بكل فرح وسعادة عند ظهور بعض الشعيرات البيضاء في الوجه والرأس، حيث أولئك الأشخاص يشعرون بنوع من الوقار والاحترام لأنفسهم، وخصوصاً إذا كان هذا النوع من الأشخاص ممن كافحوا في بداية حياتهم ومضت أيام عمرهم في عمل وتقوى وليس في ضياع وتشرد ومعصية.

وفي تلك المرحلة، يجلس الرجل مع نفسه ويسترجع لحظات الماضي والكفاح والعرق ويبكي أحياناً ويضحك أحياناً أخرى وتمر الحياة أمامه كأنها شريط تسجيل، حيث يستعرض فيها كل لحظة من حياته مر بها؛ بداية من الطفولة والمراهقة والشباب حتى الوصول إلى خريف الرجل وبداية الشيخوخة، ويستمتع بتلك الأيام الجميلة التي مضت في حياته ويقف على أهم وأبرز المحطات التي غيرت مسار العمر، وهنا تظهر له روح الشخص الناقد فهو يعرف أن القرارات التي تم اتخاذها في تلك المرحلة كانت صحيحة أم خطأ وهل لو عاد به الزمن يفعل نفس ما فعله أم لا.

وتصبح الذكريات مصدر إلهام وحماس وتفكير وتصحيح مفاهيم ربما كانت خاطئة وربما كانت القرارات موفقة، وفي كل الحالات سوف يستفاد الأشخاص من ذلك لأنهم يملكون الخبرة التي يستطيعون أن ينقلوها إلى أولادهم وأحفادهم ويضربون بأنفسهم المثل لهم، فالمعلومة من خلال قصة حياة حقيقية تأثيرها كبير وأفضل من معلومة أو نصيحة شفوية بدون تجارب حقيقية.

وتعتبر مرحلة الخريف النضج الكامل للرجل حيث تكون نظرته إلى الأمور مختلفة لأنه قد ازداد خبرة وتجارب في الحياة، فيجب علينا في شبابنا أن ننظر إلى تلك المرحلة مبكراً ويكون لدينا اقتناع بأن الشباب لا يدوم وسوف نصل إلى مرحلة الخريف ونكون مستعدين لها ونتقبلها بكل حب ورضا.

لذلك من لا يستجيب لتغيرات الطبيعة في مرحلة خريف الرجل ويرضى بسنة وطبيعة الحياة، سوف يلاحظ أنه يشعر باليأس لأنه يريد أن يعالج الضعف في الجسد وعلامات العجز التي بدأت تظهر عليه بأشياء ليست في مرحلته العمرية الراهنة، فيتحول إلى إنسان يبحث عن متع زائفة لا تستغرق لحظات ويكون هو فيها خسران لأنه لم يراع وضعه وظروف السن التي تحتاج إلى نظرة أخرى تجاه الحياة.

لذلك، فإن الأشخاص التي تعرف أن تلك المرحلة من العمر هي طبيعية سوف تحمى نفسها من أمراض اليأس والتفكير والحزن وسوف تبدأ مرحلة حياة جديدة، فطالما استمرت الحياة فلابد أن يعمل في ضوء إمكانياته وطاقاته ولا يستسلم للجلوس والخمول فإن في الحركة بركة، وهذا الفرق الذي نراه في حياتنا اليومية عندما نريد أشخاصًا في نفس العمر تقريبًا أحدهما الابتسامة لا تفارقه وصحته جيدة ويحافظ على لياقته ببعض أنواع الرياضة، وبين أشخاص أخرى استسلمت لليأس والجلوس والكآبة وعدم الحركة.

ويحتاج الأشخاص الذين وصلوا إلى مرحلة خريف الرجل أن يروا أنفسهم بعينٍ ثاقبة ويستفادوا من خبراتهم وبعض الأعمال الذين أتقنوها عبر الزمن، لأن الخبرة مطلوبة في بعض الأعمال وهناك البعض الآخر الذي شغلته الحياة عن استكشاف نفسه، فهي فرصة جيدة لكي يتعرف عن مواهبه من جديد.

وأصبح من وصل لمرحلة متقدمة في العمر يمتلك الوقت والخبرة والحكمة، فلا ينظر إلى الزمن، فالعمر هو مجرد رقم في البطاقة. ومن خلال الحماس والاستعداد سوف ينتصر على الخريف فربما يكتشف بعض مواهب كانت لديه ولكن ظروف الحياة منعته من الاستفادة فيها، لذا فإن خريف الرجل فرصة لكل شخص أن يحقق ما يريد بكل أريحية بعيد عن ضغوط الحياة.

وتتلقى الأعمال التي يقدم عليها الفرد في مرحلة عمرية متقدمة نجاحًا كبيرًا، لأنه سيكون متقنًا لما يفعله نتيجة خبرته وعدم تسرعه، لأن هؤلاء الأشخاص مروا بتجارب وضغوط كثيرة وتكونت لديهم استراتيجيات لمواجهتها، على عكس الشباب الذي يمتلك الحماس وليس الخبرة. فما بالك لو هؤلاء الأشخاص الذين أقبلوا على خريف العمر اكتسبوا الحماس مع الخبرة واكتشاف مواهبهم وطاقاتهم فالنتائج ستكون رائعة وجميلة.

لذلك، يجب على كل شخص في خريف العمر أن يعتبر تلك المرحلة العمرية هي مرحلة بداية حياة جديدة يحاول أن يرى فيها الحياة بصورة مختلفة عن مرحلة الشباب بعيد عن ضغوط الحياة، فهو يحاول أن يستمتع بكل لحظة يعيشها، ويستغل تلك الأيام في أن يفعل أشياء جديدة تجعل الآخرين يتذكرونه بها.

ولدى كل من أخطأ في شبابه فرصة ممتازة لكي يحاول معالجة ما أفسده في تلك المرحلة، ومن نجح في حياته واستغل شبابه وترك انطباع جيد لدى الآخرين فعليه أن يستمر في ذلك ويزيد من رصيده لدى الناس فقد يموت الجسد ولكن تظل الروح والأعمال والانطباعات للأبد.

فأنا وأنت ومعظمنا يتذكر بعض الأشخاص في حياتنا تركونا ورحلت أجسادهم ولكن أرواحهم وكلامهم وأفعالهم مازالت تعيش بيننا، فمن يستطيع أن ينسى الشيخ محمد متولي الشعراوي، الداعية الإسلامي الشهير، وكلماته وخواطره، فقد رحل جسده ولكن بقى علمه وكلماته خالدة، وغيره الكثير من الشيوخ والعلماء والقادة والزعماء.

خريف الرجل هو بداية حياة جديدة وليس نهاية الحياة، فطالما الشخص يملك القلب الذي ينبض والروح والحماس والهدف الذي يسعى إليه فلا يستطيع أي خريف أن يوقفه، فتلك المرحلة هي بداية جمال ووقار واحترام وحكمة وخبرة الرجل.

اقرأ أيضًا: حكايات عن المعمرين في الأرض: «فعلت كل شيء الآن أذهب إلى البيت»

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عماد الأطير

مدير مالى ، وكاتب مقالات فى مواقع اليوم السابع ، و مواقع جريدة شباب مصر ، واليوم الثامن ودنيا الوطن وإنفراد وموقع 22عربي ، ومنصة هواء ، وكذلك (( مدون )) فى مدونات موقع هافينتغون بوست ، وساسة بوست

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق