مدونات

خدعوك فقالوا: مبادئ علم الرياضيات مطلقة لا تقبل الجدل

لقد كانت المعرفة الرياضية توصف بالصناعة الصحيحة واليقينية، وذلك لأنها تدرس الكم بنوعيه: المتصل وموضوعه الهندسة، والكم المنفصل وموضوعه الحساب، وتعتمد في ذلك على جملة من المفاهيم والمبادئ التي تضمن لها يقينية النتائج. وهذا ما شكل محور النقاش والجدل بين الفلاسفة والعلماء، إذ أكد بعضهم أن نتائج الرياضيات يقينية ومطلقة باعتبارها علم مجرد، في حين أكد طرف آخر أن الرياضيات نسبية من حيث النتائج وتعدد الأنساق. وعليه نتسائل هل اليقين الرياضي ثابت أم متغير؟.

يعد مدى إمكانية التيقن من العمليات الحسابية واحدة من أكثر القضايا جدلية وإثارة للقلق في الفلسفة الحديثة، إنها المطلق في مقابل التغير المفاهيمي أو نسبية المفاهيم. وتؤكد الفلسفات المطلقة التي تعود إلى الفيلسوف الإغريقي أفلاطون أن الرياضيات هي عبارة عن تجميع للمعرفة المطلقة والمحددة في حين أن المنظور المعارض لمفهوم المطلق يؤكد أن الرياضيات هي منتج اجتماعي وعليه يكون لدينا اتجاهان:

الاتجاه الأول: مبادئ الرياضيات مطلقة

يفترض ذلك الاتجاه اثنين من الافتراضات الأساسية:

أولًا: يفترض أن المعرفة الرياضية يمكن فصلها عن الأنشطة البشرية الأخرى، فهي تعيش في عالم أفلاطوني من الأفكار وتلقي ظلالاً على الجدران أثناء انتظار اكتشافها.

ثانياً: هو أن الحقائق الرياضية التي يتم الحصول عليها صحيحة تمامًا ومعصومة.

إن نتائج الرياضيات هي نتائج مطلقة يقينية انطلاقًا من المبادئ التي تعتمد عليها وأساليب البرهنة التي لا تقبل الشك، كما أن صدق المفاهيم الرياضية متوقف على اعتمادها على فكرة البداهة فهي لا تحتاج إلى برهان. وأكد الفيلسوف ديكارت أن المبادئ في الرياضيات بديهيات بقوله “المبادئ الرياضية لا تقبل شيئًا على أنه صحيح إلا إذا كان بديهيًا”. فمهمة الرياضي هي الإضافة وليس إعادة النظر. كما أكد أسبينوزا أنه لا يمكن الشك في فكرة البداهة لأن الشك في البديهية يعني الشك في مبادئ العقل النظرية، ولأن البديهية معيار الصدق والكذب، وصدق المفاهيم مرتبط أيضًا بصدق المسلمات التي يضعها العقل ويسلم بصدقها.

يمكن نقد هذا الاتجاه بالقول إن أصحاب هذا الاتجاه بينوا لنا الجوانب التي تتجلى فيها دقة الرياضيات لكنهم بالغوا فيما ذهبوا إليه حيث أنه لا يمكن أن نقول إن الرياضيات مطلقة، خاصةً مع ظهور الأعداد المركبة والجدوال اللوغارتمية وحالات عدم التعيين فهي تعتمد على الانسجام بين المقدمات والنتائج. ولكن تطور الرياضيات المعاصرة أدى إلى ظهور مفاهيم جديدة وتحطيم فكرة البداهة التي كانت معيار لصدق المفاهيم.

الاتجاه الثاني: النسبية

لدينا أنصار الرياضيات المعاصرة أمثال الفلاسفة: توماس كون، وكارل بوبر، اللذين يرون أن الرياضيات المطلقه قد اندثرت عبر التاريخ مثل الكيمياء والتنجيم. وتلخصت الاعتراضات على مطلقية الرياضيات بأن:

أولًا: المنطق الاستنباطي كونه وسيلة الإثبات لا يمكن أن يؤسس لليقين الرياضي لأنه سيؤدي إلى انحدار لا نهائي ولا يمكن التخلص من مجموعة الافتراضات الدنيا التي تتطلبها الأنظمة الرياضية.

ثانيًا: لا يمكن اعتبار النظريات الرياضية يقينية حتى ضمن النظام البديهي لأن نظرية عدم الاكتمال الثانية للعالم جودل تقول إن الأنساق تتطلب مجموعه أكبر من الافتراضات الواردة في أي نظام رياضي، كذلك ظهور “النسق الإكسيومي” الذي حطم فكرة البداهة وجعل من الرياضيات تتميز بتعدد الأنساق. والتعدد يعني النسبية في اليقين. وهذا ما أكده بولفان الذي يرى أن كثرة الأنظمة في الهندسة دليل على أن الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة. هذا التعدد تجلى من خلال نسق العالم الروسي لوباتشفسكي الذي افترض أن المكان مقعر ومنه استنتح أنه من نقطة خارج مستقيم يمكن أن يمر عدد لا نهائي من المستقيمات المتوازية.

لكن بالرغم من أهمية ما وصل إليه العلماء في الرياضيات المعاصرة وتجاوزهم للرياضيات الكلاسيكية وظهور هندسات جديدة. فنحن لا نزال نعتمد على الهندسة التقليدية في البحث العلمي إلى يومنا هذا، كما أن تحطيم فكرة البداهة لا يعد تحطيمًا لقيمة و مطلقية الرياضيات، فالرياضيات المعاصرة لا تهتم بصحة النتيجة وإنما تعتمد على سلامة البرهان الرياضي فقط ما يمكن أن توصل إليه لا يمكن القول بأن الرياضيات مطلقة كما أنها ليست نسبية بل هي مزيج متناغم بين النسبية والمطلقة. إنها يقينية من حيث المنهج والمبادئ، نسبية من حيث النتائج التي يمكن التوصل إليها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق