سياسة وتاريخ

خدعة التجديد في الخطاب الديني

تابعنا جميعًا النقاش الذي دار بين فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر والسيد الأستاذ الدكتور رئيس جامعة القاهرة، وبالتأكيد كنا فخورين بكلمات فضيلة الإمام؛ لأنها كانت تعبيراً عن عمق الفهم، والقدرة على النقاش المقنع البناء، الذي فتح أبواب عقولنا نحو فهم مسألة تجديد الخطاب الديني.

ولعلي أرغب في طرح بعض الأسئلة والتي أتمنى منا جميعاً أن نجيب عليها حتى ولو بيننا وبين أنفسنا؛ لنصل إلى بعض القناعات التي نستطيع أن نتبناها حيال التعامل مع مسألة التجديد، وأول هذه الأسئلةهي؛ هل هناك مشكلة في الخطاب الديني تستدعي تجديده؟ وما هو الخطاب الديني؟ ومن أين نستقيه؟ وما هو المقصود بالتجديد؟ وما الغرض من هذا التجديد؟

ولكي أكون منصفًا أريد أن يعلم القارئ العزيز بأنني لا أتحدث بالنيابة عن أية جهة، وإنما أنا إنسان مسلمٌ عاقلٌ بالغٌ رشيد، درست الشريعة الإسلامية وأصولها ومبادئها والأدلة الشرعية، وبغض النظر عن التخصص، فإني مواطنٌ عربيٌ مسلم، يريد أن يصل إلى فهم محدد ودقيق لمسألة تجديد الخطاب الديني.

الخطاب الديني هو الصيغة المستقاة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية الشريفة، باعتبار أنهما المصدرين الرئيسيين اللذان يشكلان الدين عقيدةً ومنهجاً وفكراً، وكل الأدلة الشرعية تتمحور من كلا المصدرين، وأما عن التجديد فهو من وجهة نظري لا ينبغي أن يخرج عن إطار التعبير عن الأدلة الشرعية، وأولها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، بصورة تواكب العصر لتحقيق مصالح العباد.

بالتالي لا يمكن أن نعني بتجديد الخطاب الديني أن نترك التراث ونبدأ من جديد بصورة تنبئ عن إعادة صياغة الأدلة الشرعية، وهذا ما لا نملكه؛ لأن المشرع هو الله، ومن بلغ التشريع هو الرسول صلّى الله عليه وسلم، وقد أحكما هذه الأدلة حيث قال تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً”.

لذلك لا يعني التجديد ترك الأدلة الشرعية، وإنما يعني إعادة قراءة هذه الأدلة بصورة تتناسب مع مقتضيات العصر ولصالح البشرية، شريطة أن يتم ذلك من قبل المتخصصين، وبدون المساس بأصول وثوابت الدين التي هي قطعية الثبوت والدلالة، أي أنها قطعية لا تحتمل الظن في ثبوتها عن الله، وأنها ذات دلالةٍ قاطعة لا تحتمل الشك أو الظن، بمعنى أنها تعني ما تقضي به دون مجال للتفسير أو التأويل أو الشك.

ونعود إلى معنى كلام فضيلة الإمام الأكبر، حيث أوضح أنه ليست المشكلة في التراث وما تركه فقهاء هذه الأمة بما يتناسب مع الزمان والمكان في عهدهم، حيث أننا بالفعل لا نطبق التشريع الإسلامي إلا في نطاقٍ ضيق مثل تشريعات الأحوال الشخصية، أما عدا ذلك فالقوانين الحاكمة للأمة -غالبيتها- مستقاةٌ من التشريعات الغربية، وبالتالي من غير الدقيق إلصاق العيوب بالتراث المستمد من الدين؛ لأن التراث لا يحكمنا بالفعل.

لذلك، ليست المشكلة في الدين ولا التراث الذي تركه لنا فقهاؤنا الأجلاء، إنما المشكلة تكمن فيما نطبقه من تشريعات من صنع البشر، وبالتالي لا تكاد تخلوا هذه التشريعات من الهوى والمصالح بحكم طبيعة الإنسان، ونحن لا نحتاج إلى أن ندافع عن الإسلام ونقول أن الإرهاب ليس منه؛ لأن الأدلة الشرعية كلها خير ناطقٍ بذلك، فلن تجد نصًا يدعوا إلى الاعتداء أو يحث عليه.

من أجل ذلك وجب علينا أن نعي مسألة تجديد الخطاب الديني، وأن نعلم بأنه لا يمكننا أبداً الانسلاخ عن أصول عقيدتنا وشخصيتنا، ولا يتجاوز التجديد استخدام النصوص بما يتواكب مع روح العصر بدون تحريف أو تبديل لهذه النصوص وكل ذلك لصالح العباد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق