مدونات

خانة الديانة في البطاقة وأشياء أخرى‎‎

هناك اتجاه من الدولة المصرية لإلغاء خانة الديانة من البطاقة ،وبغض النظر عن جدوى هذا الاقتراح من عدمه وأنه لن يغير من الواقع في شئ وأنه لن تكن له فائدة تذكر فمصر دولة مدنية ودينها الإسلامي هو الدين الرسمي للدولة لأن حوالي 95 % من الشعب مسلمين

وأيضا لا أعتقد أن هناك تطرف عنصري بسبب الدين في مصر وإن وجدت حوادث تطرف فلا تتعدى كونها حوادث فردية وليس إتجاه جمعي شعبي مثل ما يحدث في ميانمار مثلا. وعندنا فعلا لا يوجد تمييز أمام القانون بين المواطنين من ناحية( الدين)! اللهم إلا في قوانين الأحوال الشخصية لاحتكام كل مواطن إلى دينه في مسائل الزواج و الميراث وغيرها.

كان الأحرى والأجدى – من وجهة نظر متواضعة بما أن الهدف المعلن هو المساواة والعدل- هو إلغاء خانة الوظيفة بدلا من ذلك ثم نرى كيف سيكون التعامل مع شخص ذو مكانة مرموقة في المجتمع أو شخص من جهة سيادية أو شخص من صفوة المجتمع وعلية القوم . بهذا فقط يكون الشعب متساو في الحقوق ومتساو في المعاملة في مختلف المواقف التي يعرض لها المواطن العادي في الشارع وفي لجان الشرطة وفي المصالح الحكومية.

لا أعتقد أن أحد من الموظفين في المصالح الحكومية سيهتم بديانة الشخص الذي أمامه ولكن سيهتم وسيفرق في المعاملة إذا كان الذي أمامه شخص من الهيئات المذكورة أعلاه. و بالمناسبة هذا ليس حقدا طبقيا وإحساسا بالدونية ولكنه جراء ما نشاهده في حياتنا اليومية،موجود وملاحظ لمن أراد أن يلاحظ

هذا يأخذنا إلى ناحية أهم وأعمق وهي أنه لا يمكن فصل النظام الاجتماعي عن النظام الاقتصادي في الدولة وفي مصر بالأخص بمعنى أنه كلما ذابت و تقاربت الفوارق بين الطبقات وكان هذا الذوبان والتقارب في ظل نظام اقتصادي يحتويه بعيدا عن الفساد و المحسوبية سينعكس بالإيجاب على المجتمع أفرادا وحكومات.

على صعيد الأنظمة الاقتصادية لم تعرف مصر غير نظامين اقتصاديين، النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي..

باختصار الرأسمالية هي النظام المتبنى في القطاع الخاص وهو نظام مثل كافة الأنظمة له مميزات وعيوب ولكن عيبه الأكبر هو أن صاحب رأس المال وهو القطاع الخاص يريد الاستفادة بأكبر قدر ممكن من وضعه ومكانه في السوق وهو غالبا ما يكون عن طريق استغلال الأفراد العاملين أو عن طريق تحقيق أقصى استفادة جراء تقديمه لسلعه معينه (نموذج العرض والطلب بمعنى أوضح معاك هتاخد مش معاك مايلزمكش)

الاشتراكية : هي أن تكون الدولة هي المنتج والموزع وصاحب رأس المال والسوق وكافة أفراد الشعب تحت مظلة الدولة اقتصاديا ومن عيوبها القاتلة وسبب فشلها هو مساواة العامل والذي لا يعمل في الدخل بمعني إن الدولة مثل الأب والشعب هم الأبناء الملزم والدهم بالإنفاق عليهم.

أثناء التوجه إلى الاشتراكية التى تبناها جمال عبد الناصر، خاصة خلال حقبة الستينيات، صدرت حزمة من القوانين الاشتراكية، خاصة بالتعليم والصحة والعمل والتصنيع والتوظيف وغيرها، كانت مناسبة (في وقتها) للواقع المصري، وكانت في صالح الشعب المصري ،وسمحت للقطاع العام بتحقيق نمو اقتصادي. وأصبح التعليم مجانا في كل مراحلة، واستمر الحال على ذلك لعدة عقود، كان من نتائج هذا النظام الاشتراكي السيئة أن امتلأت المصانع والمدارس والجامعات بالملايين من الموظفين، دون توسع حقيقي في الأعمال، ودون أي إضافة إلى الإنتاج، حيث إن الجميع متساوون (كما اسلفنا في كلامنا عن تعريف الاشتراكية)، وأصبحوا عبئا ثقيلا على موازنة الدولة، وبمرور الزمن ظهر الفساد وسوء الإدارة وتفشت ظاهرة المحسوبية والرشوة.

ثم جاء السادات وأدخل الانفتاح الاقتصادي(شكل من أشكال الرأسمالية.)، لكى يدفع بالقطاع الخاص إلى المنافسة والإنتاج. ولكن القطاع الخاص كان أذكى من الدولة، وحقق أرباحا سريعة وسهلة، من مشروعات استهلاكية ودون إنتاج حقيقي وبقيت الأسعار، والمرتبات لموظفي الدولة، على ما هى عليه لثلاثة عقود بعد أحداث 1977 التي حاول السادات قبلها عمل إصلاحات اقتصادية منها إنه حاول رفع الدعم ولكن قوبلت هذه الإصلاحات بما يشبه الثورة عليه وتراجع عنها.

ثم جاء مبارك محاولا إنعاش الاقتصاد وكانت كل التوصيات الموجهة إليه سواء من البنك الدولي أو من الاقتصاديين بتبني سياسة رأسمالية ودعم القطاع الخاص لإحداث توازن في الموازنة العامة للدولة ولكن مبارك كان من أنصار عدم إثارة البلبلة الداخلية والاستقرار خصوصا بعد ما حدث مع السادات في أحداث 1977 فتجنب رفع الأسعار ولم يقترب من الدعم وبالفعل نجح مبارك في عمل نمو كبير في الاقتصاد في بدايات حكمه (وهو ما يخبرنا أن الموازنة ممكنة بين الإصلاح مع دعم الشعب وعدم تحميل المواطن مالا يطيق، الأهم هو محاربة الفساد) واستمر الوضع إلي أن تيقن مبارك من أن القطاع العام يشكل عبء كبير على الدولة وقاد قانون الخصخصة لبيع شركات القطاع العام ولكن استمرت المحسوبية والفساد وهو ما أدى إلى ضعف المرتبات وعدم خلق وظائف جديدة و استمرار الترهل في جسد القطاع العام والدولة وهو ما انتهى بثورة 25 يناير على نظام مبارك.

(جدير بالذكر أن نفس التعليمات التي أعطيت لمبارك من البنك الدولي والخبراء الإقتصاديون أعطيت للصين في نفس الوقت تقريبا. ولكن الصين تبنت خطة إصلاح شاملة أسمتها (الإصلاح من القاع إلى القمة) شملت محاربة الفساد وتقليل الفجوة بين طبقات الشعب والاتجاه إلى اقتصاديات السوق وتحديد النسل، وزيادة المرتبات مقابل زيادة الإنتاج، وتنمية المشروعات الصغيرة)، ويمكنك أن تقارن بين مآل إليه كلا الوضعي.

مرورا بأحداث ما بعد ثورة يناير وبالركود الاقتصادي الكبير الذي حدث بعد الثورة وهو شئ طبيعي بعد الثورات كان من نتيجته أن تبنت الدولة خطة إصلاح اقتصادي.. وعلى الرغم مما تقوله الإحصائيات من زيادة النمو الاقتصادي للدولة عام 2021 إلا أن معدل الفقر قد ازداد ليصل إلى 32% حسب آخر الإحصائيات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامه والإحصاء، وكذلك فقد ازداد الدين الخارجي إلى 134 مليار دولار.

ويبقى السؤال الأهم وهو: هل ستستمر الدولة في تطبيق نظام السوق الرأسمالي المادي وما يتبعه من زيادة الضغوط على الطبقات الفقيرة( تلك الطبقات التي لم تعد قادرة على تلبية أدنى احتياجاتها الأساسية للمعيشة، فضلا عن مصاريف تعليم أولادها في تعليم أقل ما يقال عنه الآن أنه لم يعد مجاني) ولكن فيه إنقاذ للدولة؟

أم هل ستقر وتعود الدولة إلى القانون الاشتراكي الموجودة بالفعل في المصالح الحكومية وتتحمل عبئه في سبيل التخفيف عن الشعب عبء الماديات الحالي؟

أم إنها ستتبنى نظام جديد خاص بها يناسب هذا الشعب الذي أضناه هذا الوضع الاقتصادي. ربما يكون خليطا بين الرأسمالي و الاشتراكي، أو أي نظام آخر يحل معضلتنا هذه.

في النهاية : خانة الديانة في البطاقة لا تمثل أي تمييز لصاحبها في المجتمع أو أمام القضاء فالأولى تركها كما هي منعا لاختلاط المسائل القانونية في الأحوال الشخصية. وإن كنا نريد إصلاحا هذه هي الملفات الجديرة بالمناقشة والعرض والطرح وليس خانة الديانة في البطاقة. ليس أمامنا غير مساواة الجميع أمام القانون بغض النظر عن مكانته أو وظيفته ولكن الأهم من هذا أو ذاك هو تبني الدولة لنظام اقتصادي يراعي كافة فئات الشعب وأن يقوم مجلس الشعب الموكل بالحديث عن الشعب وهي وظيفته الأساسية بمناقشة مثل هذه القضايا والأمور عسى أن ترجع الطبقة الوسطى التي اختفت تماما نتيجة للظروف الاقتصادية و الاجتماعية الصعبة الحالية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Mahmoud_Abdelfattah

مهتم بالاداب والفنون والتاريخ الاسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى