مدونات

حين يكون التاريخ ضحية الخصومات بين الدول

كلنا نعي قيمة التاريخ، فالأمة التي بلا ماضي هي بلا حاضر ولا مستقبل، لذا فإن تزييف التاريخ هو حتما تزييف للحاضر والمستقبل.

كل دولة واعية، تنظر إلى تاريخها بتأمل، لتستخلص منه العبر في كل المواقف، فبدراسة أسباب الإخفاق في الماضي يتم تجنب هذه الأسباب في المستقبل، وبدراسة أسباب النجاح يتم البناء عليها طبقا لظروف ومقتضيات العصر.

حتى الدول التي بلا تاريخ، أخذت من تاريخ وحضارات الدول الأخرى، وبنت عليها، فأوروبا الحديثة مثلا قامت بأخذ منجزات الحضارة الإسلامية من قبلها، وأكملت الطريق حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.

الحضارة الإسلامية بدورها كانت قد أخذت من الحضارات الأخرى قبلها، إذا هي سلسلة للنجاح بداية من الاستعانة بالماضي حتى الوصول إلى مستقبل مشرق في الحاضر، وهنا تتضح أهمية التاريخ، لذا يجب على سارد التاريخ أن يتصف بالصدق والأمانة العلمية.

لكنا صرنا في زمن يزيف فيه التاريخ، حسب علاقات الدول مع بعضها، فمثلا حينما حدثت خلافات بين تركيا والدول العربية وعلى رأسها مصر، تم إنتاج مسلسل “ممالك النار” الذي يهاجم تركيا، ويؤكد أنه كان احتلالا للدول وليس فتحا عثمانيا، وقررت مصر على إثر ذلك: تغيير كتب التاريخ التي تدرس للطلاب.

كلنا درس فصلا كاملا في التاريخ عن الفتح العثماني، وأمجاد المسلمين آنذاك، و تم استبداله بفكرة أن هذا الفتح ما هو إلا احتلال، أي اختلاف في المواقف من النقيض للنقيض، كما تم تغير أسماء الشوارع التي دائما تحمل أسماء الأبطال تخليدا لذكراهم، تم تغيرها لتصبح أسماء أخرى بدلا من أسماء العثمانين، واكتشفنا فجأة أن العثمانيين مجرمو حرب، وليسوا قادة بواسل دافعوا عن مصر!

نرفض تزييف التاريخ، أو على الأقل نريد أن نفهم لماذا يتم تغيير التاريخ في الكتب؟ وما هو الصواب وما هو الخطأ؟ وهل ضاعت أعمارنا في قراءة تاريخ مزيف؟

نخاف أن يحدث ذلك في المستقبل، وتقيد كذلك مثلا ثورة يناير الذي نظمها زهور مصر، على أنها خيانة للوطن، وشاركني في الخوف، الشاعر هشام الجخ، حينما أوصى ابنه بأن لا ينساق للشائعات، وسرد له ما حدث في ثورة يناير حتى لا يتم تزوير التاريخ، وقال في هذا الصدد:

لما تكبر هتلاقينا في التاريخ باب صغير
هيداروه مكتوب عليه شعب ثاير
مش بعيدة يعلموكم في المدارس وقتها إن اسمها نكسة يناير
قول لجيلك الحقيقة إنها مكانتش نكسة
وإن إننا احنا ابتدينا وانتوا دوركم جاي لسه

لذا إذا أردنا أن نستفيق، علينا أن نقيد التاريخ كما حدث، و أن لا نترك الأقوياء أن يكتبوا التاريخ كما يريدون، ويغيروه وقت ما يريدون، هذه أمانة وخلاصة تجاربنا، علينا أن نورثها لأبنائنا بصدق وأمانة، هذا لا يعني ألا نقتنع بالتاريخ المنصرم، بل علينا تقصي الحقائق، بالفحص في أمهات الكتب، وجمع الأحداث المتشابهة فيما بينها، لنصل إلى مشارف الحقيقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ديفيد عماد

كاتب, يعشق جمال الطبيعة, والزهور, ويحاول إن ينقل هذا الجمال, في كلمات منمقه.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق