سياسة وتاريخ

حين اغتال العثمانيون سلطان المغرب محمد الشيخ..

و لما رفض سلطان المغرب محمد الشيخ الخضوع للعثمانيين طوعا، وخرج مبعوث سلطان الأتراك غاضبا مذعورا من بلاط السلطان المغربي الغاضب الرافض لهذه الوصاية التركية السالبة لهوية المغاربة ومقومات الدولة السعدية الضاربة أطنابها في التاريخ، وصل إلى الجزائر وهو يجر خيبات الأمل الأخير  بعدما فشل في مهمته.

ركب البحر إلى سلطانه سليمان القانوي بإسطنبول الذي كان ينتظر قبول السلطان المغربي محمد الشيخ والمغاربة بما يريد ويشتهي، ولما بلغ الخبر مبلغه هناك في اسطنبول، إجتمع جمع كبير من كبار المسؤولين بمبعوثهم، ثم بكبير الوزراء أو ما عرف تارخيا بالصدر الأعظم، تداولوا الخبر فيما بينهم وأخبرهم المبعوث بما لقي من سلطان المغرب، فما كان من الصدر الأعظم إلا أن نقله هو الآخر إلى السلطان سليمان القانوني الذي شعر بغضب شديد، وأمر بتجهيز جيش عظيم قصد القضاء على الدولة السعدية ودخول المغرب الذي ظل عصيا عليها، كما تطرقنا إلى ذلك خلال الفصلين الأول والثاني.

ولما أعطيت الأوامر، وتم تجهيز الأسطول العثماني الجرار، من الجيوش البرية والبحرية بمختلف أنواعها وأصنافها لغزو المغرب الأقصى، والقضاء على شوكة السعديين التي أزعجتهم كثيرا بعدما نجحوا في الوصول إلى الجزائر وبسط السيطرة عليها.
و تشير أغلب المصادر التاريخية التي كتبت عن العلاقة بين العثمانيين والمغاربة، إلى كون السلطان سليمان القانوني وبالرغم من قوته وجبروت جيشه، إلا أنه كان يخشى الدخول في مواجهة مباشرة مع السعديين، ليقرر وزيره اللجوء إلى خطة أخرى أقل تكلفة، ترتكز على الخدعة والمكر للقضاء على السلطان المغربي محمد الشيخ، وذلك باغتياله وجعله عبرة لمن يقف في وجه هذا العثمانيين، حيث دخل على السلطان سليمان القانوني مبشرا بما أعده من خطة وقال له كما تروي كتب التاريخ: “هذا أمر سهل .. هذا المغربي الذي أساء الأدب على السلطان، يأتي رأسه بين يديك”.

دهش السلطان سليمان لتفكير وزيره وأعجبته الفكرة كثيرا، فالدخول في حرب مع السعديين الأقوياء سيكلف الأتراك كثيرا، وافق السلطان العثماني على الخطة، وجهز لذلك 12 جنديا من خيرة جنوده ممن يعرف قدراتهم القتالية، من صناديد الأتراك للقيام بمهمة اغتيال السلطان المغربي.
وهكذا بدأت الدولة العثمانية في تنفيذ خطتها، حيث انطلق الإثنا عشر جنديا إلى المغرب بعد أن حصلوا على مبالغ مالية كبيرة قدرت حسب ما وصلنا من كتب التاريخ بحوالي 12 ألف دينار، حاملين معهم رسالة من السلطان العثماني سليمان القانوني إلى ضابط تركي كان يعمل داخل البلاد الملكي لدى سلطان المغرب، كان سلطان المغرب قد وثق فيه وضمه إلى حاشيته، حيث أصبح واحدا من مستشاريه المقربين، يدعى كما روي لنا (صالح كاهية) .

ولا أدري حقا السبب الذي جعل ملك المغرب الذي لديه صراعات وحروب طاحنة مع العثمانيين، أن يجعل من هذا الشخص أحد مستشاريه ومقربيه، فحسب ما عرف عن هذا الأخير أن نيته كانت خبيثة، وكان ينوي قتل السلطان، فهو مبعوثا من طرف والي الجزائر التركي حسن بن خير الدين من أجل تحقيق نفس الهدف، وهو إغتيال سلطان المغرب، ومحو آثار الدولة السعدية التي لا تدعوا لسلاطين العثمانيين في صلاة الجمعة ولا تضع صورهم على نقودها.

لقد كان هذا الرجل المخلص للدولة العثمانية، صالح كاهية والذي قدم نفسه على أنه منشق وفار من جحيم العثمانيين، يتحين الفرصة من أجل اغتيال سلطان المغرب محمد الشيخ المهدي.

ولما وصل الجنود الأتراك الذين بعثهم السلطان سليمان القانوني، إلتقاهم الكاهية حيث تم تسليمه رسالة السلطان العثماني سليمان القانوي، يدعوه فيها إلى مساعدتهم في عملية اغتيال السلطان المغربي مقابل الأموال الطائلة والمناصب الرفيعة.

سر الرجل كثيرا كونه كان يحلم بتسلق سلاليم السلطة، حيث دخل على السلطان المغربي قصد إخباره بأمر الجنود العثمانيين، فقد قدمهم على أنهم جماعة من الجنود الأتراك الذين فروا من بطش العثمانيين بالجزائر ويرغبون في الالتحاق بحاشيته من أجل مساعدته على فتح المغرب الأوسط، وتحقيق مطامحه التوسعية التي كان ينوي القيام بها للحد من التوغل العثماني.

ولأن الكرم والجود ارتبطا بالمغاربة أشد الإرتباط، فقد عمل سلطان المغرب محمد الشيخ على استقبالهم بعناية فائقة و رحب بهم، كما أنه قد دعا شيوخ القبائل إلى إكرامهم وتمتيعهم بكامل الحقوق وإعتبارهم مغاربة.

لقد كسب الجنود الأتراك قلوب المغاربة لما أبدوه من حب وولاء للسلطان والمغاربة، لقد كسبوا ثقة السلطان المغربي، وود المغاربة وحبهم للوافدين من الأجانب، لتبدأ الخطة الخبيثة في ليلة من الليالي بجنوب المغرب، حيث كان السلطان المغربي يقيم في خيمته بنواحي تارودانت المغربية، تسلل الأتراك ودخلوا إلى الخيمة على غفلة من الحراس، قتلوا السلطان وضربوا عنقه بشاقور حتى تم فصل الرأس عن الجسد، بعدها وضعوه في مخلاة مملوءة بالملح والنخالة وانطلقوا عبر طريق درعة وسجلماسة حتى وصلوا إلى الجزائر، ليركبوا بعدها البحر إلى عاصمة الدولة العثمانية اسطنبول بنصرهم المزعوم، رأس السلطان الذي عجزوا كل العجز على هزمه وغزو أراضيه رغم قوة جيوشهم، وهناك وبكل فخر سلموا الرأس للصدر الأعظم الذي سلمه بدوره إلى السلطان سليمان، الذي أمر بأن يوضع في شبكة من نحاس ويعلق على سور القلعة عبرة لكل من سولت له نفسه الوقوف في وجه العثمانيون.

بقي رأس سلطان المغرب محمد الشيخ معلقا هناك سنوات طويلة، يتفرج عليه الناس مستحضرين مصير هذا السلطان المغربي الشجاع الذي تحدى أقوى سلاطين الدنيا آنذاك.
وجاء في كتب المؤرخين أن السلطان المغربي محمد الشيخ المهدي، عرف بالعدل والإحسان، و أنه كان حافظا للقرآن الكريم ولصحيح البخاري، وكان أيضا حافظا لديوان المتنبي عن ظهر قلب، ويقولون أنه كان يردد دائما البيت الشعري لأبي العلاء :
الناس كالناس والأيام واحدة      والدهر كالدهر والدنيا لمن غلب.
مات سلطان المغرب محمد الشيخ، الشيخ المسلم العارف بالله على يد إمبراطورية كانت ترفع شعار الإسلام، علق ليكون عبرة لمن يعتبر، لمن لا يخضع العثمانيين.
فما مصير العلاقات المغربية العثمانية بعد مقتل السلطان؟؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى