علوم وصحة

حول مسألة الإرادة الحرة عند البشر

هنالك أسئلة فلسفية كبيرة لم يحقق العلم، ومن قبله الفلسفة، أي تقدم يذكر في شأنها.

هل نمتلك إرادة حرة؟ ما هي الكيفية التي يحول فيها الدماغ البشري إشارات كيميائية عصبية إلى تجربة واعية؟

هنالك أسئلة عديدة كانت حكرا على الفلسفة، قبل أن يشيد نيوتن فيزياءه الكلاسيكية الحتمية، وظهور علم الفيزياء الحديث، ثم علم الأحياء التطوري الدارويني، وأخيرا دخول علم الأعصاب على خط المناقشات الفلسفية. وليس لدينا إلى اليوم نظرية علمية حول هذه الإشكاليات.

ستؤخذ مسألة الإرادة مثالا. في فيزياء نيوتن التقليدية، فإن الكون يشبه ساعة عملاقة، كل شيء فيها محدد سلفا. أي أن الزي الذي سوف ترتديه حين تقابل حبيبتك لأول مرة محدد مسبقا بموجب قوانين الفيزياء.

أيّد أينشتين لاحقا هذا الطرح، وقال أن الله لا يلعب النرد. وحين سئل إن كان القتلة يتحملون مسؤولية جرائمهم، أجاب أنهم ليسوا مسؤولين عنها بطريقة ما، ومع ذلك يجب سجنهم.

ولكن بعد أن توصل هايزنبرغ لمبدأ عدم اليقين، أصر أينشتين أن في هذه النتيجة خطأ ما.

اليوم نعرف أن “الله يلعب النرد”، وأنك حين ترصد جسيما دون ذري فإنه لن يتخذ نفس الموضع في كل تجربة. بل سيتخذ مواضع مختلفة، وقد يتخذ موضعين في نفس الوقت. لكن هذا لا يثبت الإرادة الحرة، إنما يشير إلى أنه لا يمكن تحديد أحداث المستقبل في ضوء الماضي وإنما تتخذ صيغة احتمالية.

في علم النفس التطوري (وهو علم يجب أن نكون حذرين في التعاطي مع فرضياته) لا شأن للفيزياء في مسائل مثل الإرادة البشرية، وإنما هي مسألة بيولوجية بحتة. وهناك خلاف بين الباحثين في هذا النقاش، بين من يقول أن المستوى التنظيمي للعمليات المعرفية في الدماغ يتيح لنا نوعا من الاتخاذ الفاعل للقرارات والسلوك، وبين من يقول أن السلوك هو نتاج تفاعل محفزات بيئية واستجابات كيميائية في الدماغ، بالتالي فسلوكنا مجرد ردات فعل محددة بمحفزات متنوعة.

أما علماء الأعصاب فإنهم شبه مجمعين على أن الإرادة الحرة وهم أقنعنا أنفسنا به (وكلمة إقناع هنا بحد ذاتها تنطوي على نوع من الإرادة!).

قبل أن نكمل سأورد تعريفا للإرادة ذكره عالم الحاسوب جوشا باخ، إذ يقول:
“Will is the representation that my nervous system, at any level of its functioning, has raised a motive to an intention. It has committed to a particular kind of goal and it gets integrated into the story of myself”.
بمعنى، أن الإرادة هي إثارة الجهاز العصبي دافعا لنيّة ما في أحد مستويات نشاطه. أي التزامي بنوع من الأهداف التي يتم إدماجها في سياق حياتي الشخصية. وجميعنا تقريبا قد اختبر ذلك.

بالنسبة لي، أنا غير مؤهل علميا لنقاش هكذا مسألة باستفاضة، إلا أنني أؤمن بوجود نوع من الحرية لدى الكائنات العاقلة، ولكني غير قادر على تقديم دعم علمي مقنع لهذا الاعتقاد، لذلك استخدمت كلمة “إيمان” هنا. ولكن يوجد مشاكل من السهل ملاحظتها على الحتميين ممن ينكرون بشكل قاطع وجود نوع من حرية الاختيار، الأولى أنه ليس لدينا نظرية علمية تفي لحل هذه الإشكالية، وقد لا يتوفر لدينا هكذا نظرية مستقبلا. والثانية أنه عادة ما يتم التعامل مع الكائنات البشرية بتجريد واختزال كبيرين، فيتم دراسة الإنسان بوصفه فردا بمعزل عن خصائصه الفكرية والإدراكية والاجتماعية التي يتفرد فيها بعالم الحيوان. إضافة إلى اتباع المنهج القياسي بحيث تعتبر دراسة سلوك الرئيسيات غير البشرية مدخلا لفهم السلوك والظواهر البشرية، وهو نهج خطير وله دور مضلل في أغلب الأحيان. إننا كائنات تعيش في شبكات اجتماعية واسعة، وهذه الشبكات تتضمن ثقافات وأعراف وقوانين نختار العيش في ظلها، ويتم مساءلة الأفراد في سياقها أو أن هذه الشبكات سوف تنهار. لا يجب دراسة خاصية إنسانية بعزلها عن نمط التفاعلات التي تسهم في تعريفها.

لقد أظهرت دراسة أعدها فوس وشولير Vohs & Schooler أن أولئك الذين يعتقدون أن الإرادة الحرة وهم أظهروا قدرة أكبر على الخداع والتزييف وتبرير السلوكيات السيئة. أي أن شعورهم بالمسؤولية الأخلاقية قد تأثر. فهناك ارتباط وثيق بين السلوك الأخلاقي والإيمان بالمسؤولية الذاتية.

رابط الدراسة: https://journals.sagepub.com/doi/10.1111/j.1467-9280.2008.02045.x

لذلك، أعتقد أنه من السليم القول أنه لو لم تكن الإرادة الحرة موجودة، فيتعين علينا إيجادها ودعمها. لأن الاعتقاد المعاكس، ربما يكون له تبعات وعيوب أخلاقية غير محمودة.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى