مدونات

حوار مع الواقع والشهوة

أحد أيام ديسمبر وبالتحديد الليلة الثانية عشر منه، بدأت أجنحة القمر حينها تظهر بشكلها الأدمي المعروف بوقت المساء، قد لا يتبين لنا ولكنه أحد آثار القمر لا الشمس كما هو شائع، كونها تقوم باللحاق بها دائما.
‎جلس على كرسيه المدفون برائحة أعقاب السجائر و معزوفات من القرن الخامس عشر تلحق به في أرجاء الغرفة كطفل تعلم المشي حديثا، لوهلة من الزمن قد تظن أن حديثي سيكون عن قاتل متسلسل من أحد الأفلام الأمريكية، لكنك مخطئ، فهو لا يقوم بالتمثيل هنا، هذا نمط حياته الانعزالي إن أردنا دقة التعبير، يقوم بتخدير كل كلمة تدق بابه خلال نهاره ليأتي بها إلى هذه اللحظة حيث تستيقظ متزامنة مع أخواتها بفتح الأعين أمام المشهد المهيب هذا، تستطيع سماع كاستا ديفا تصدح بأرجاء الغرفة و كأنها تستنجد بمن هم خارجها لينقذوها من الشر الذي سيحدث هنا، تجرع قدحا من مشروبه الكحولي و أخذ بإشعال سيجارة نسي ترتيبها في العد و هو يتأمل جثث هذه الكلمات التي تحتضر، كيف سيضعها في سياقها المناسب، تخيل نفسه كبوتيتشللي و أمامه علبة كاملة من الألوان المحنطة، أسدل نصف الستائر ليبقي نفسه محميا من النور الدائم كونه محب للظلمة الدائمة غير المحققة، تجرع قدحا آخر و بدت مليئة بالحياة، حتى قلبي بدأ بالنبض لديك.
‎الكاتب: هذا سخيف جدا و مبتذل، أعرف على الأقل شخصين خطر لهما هذا السطر، حسنا مجددا.
‎نصف المجرات في السماء، و نصفها في عينيكي، و النصف الآخر يخلق حين أرى وجهك.
‎الكاتب: أستطيع شم قدرتي على الغزل تتعفن، أنا حتى لم أرها، على الأقل ليس على أرض الواقع، سنبدأ مجددا.
‎(صوت باب الغرفة يفتح بانصرام و ثبات)
الكاتب: أها، عزيزي الواقع، لأكون صادقا، هذه المرة الأولى التي أسعد بالارتطام بك، ما رأيك بإعطائي بعض الجمل الغزلية فقد نفذت كميتي اليوم.
‏الواقع:  بلهجة تشعرك بأم تبنت طفلا تكره. ما زلت تحاول التغزل بفتاة لم ترها يا هذا، لا شك بأنني أشخص حالتك على أنك مجنون ذكي، أنا أتعجب أصلا من كمية الغزل التي كتبتها دون أن تعترف لها على الأقل.
‎‏الكاتب: ليس هذا الوقت المناسب لواقعيتك الآن، تفضل و شاركني بعضا من المشروب في هذه الأمسية الرائعة، نحن على وشك البدء بليلة صادمة!
‏الواقع: أشكرك على دعوتك و لكنني سأرفضها كما رفضت دعواتك الألف الماضية، محاولاتك بجعلي أثمل حثيثة في هذه الفترة، أتحاول رفضي؟
‏الكاتب: أحاول جعلك تنحني فقط.
‎‏الواقع: لا زلت ذكيا حتى و أنت معبق برائحة تبغك و كحولك، أنا لا أنحني ابدا، حتى الملوك انحنت أمام خيوطي، سأساعدك و لنفرض بأنني قبلت الدعوة، لنرى، حاول تشبيه عينيها بالجنة، كونك لن تصل إلى كلاهما، أو لنقل بأن شعرها يخبئ القمر، كناية عن وجهها، تعبير شاعري، أو لنصفها، كيف تبدو في عينيك؟
‎‏الكاتب: حسنا، سأكون صريحا، إنها مجرد فتاة، هناك الأجمل و الأفضل و استطيع تشبيهها بستين جملة مختلفة التعابير، لكنها مجرد فتاة عادية، لكنني أحبها.
‎‏الواقع: لماذا أحببتها إذن، و ربما لا تحبك هي في بادئ الأمر، هل فكرت بهذا؟
‎الكاتب: ‏أعلم بكل الاحتماليات التي ستقولها لا تتعب نفسك كثيرا، أحببت عقلها لا جسدها، العقل لا نظير او امتداد له في الكون، يفوقك قوة و سلطة و تاريخا، آمل أن تشاطرني هذا الحب كوني لا أنجذب للجسديات كثيرا عند هذه المقارنة في الحب الأبدي.
‎‏الواقع: لا زلت تؤمن بفلسفتك المعتادة، على كل، تغزل بعقلها إذا، كيف قام بجذبك على الرغم من المسافات.
‎الكاتب: يا إلهي، لو لم تكن الواقع لما تقبلت هذا النوع من السذاجة، تغزلت بها في كل عناصر الطبيعة، حتى أنني ذهبت لنسيج الكون و سرقت قطعة منه لكتابة سطرين ، لكنني أشكرك على محاولتك على أية حال.
‎ ‏الواقع: هل قلت يا إلهي! غريب أنك لا زلت تؤمن بالإله، أمثالك لا يؤمنون إلا بأنفسهم كآلهة.
‎‏الكاتب: لا يؤمنون بالطريقة المفروضة من البشر، لكنني أملك الإله في داخلي دائما.
‎‏الواقع: في داخلك! قمت بأكله؟
‎الكاتب: ‏بل احتويته بالطريقة التي أمرنا بها جميعا.
‏الواقع: لن أخوض معك هذا النقاش اليوم فجدولي مليء بالمهام، هذا ما أستطيع تقديمه حاليا، الآن اعذرني علي الخروج لتشريد بعض الأطفال، سمعت بأن هناك عائلة سعيدة تظن بأن الحياة ابتسمت لها في آخر الشارع، علي إعلامهم بوجودي عن طريق إفلاس أبيهم و بيع بيتهم العائلي و الاضطرار للعمل في سن صغيرة قبل أن يغرقوا في بحر من الأحلام، تصبح على خير أيها المتأرق.
‎(صوت الباب، مجددا، يفتح بنغمة صرير مضحكة و كأنه طفل تداعبه أمه، مع صوت نقرات كعب و اختيال برائحة تحيي الموتى، دخلت الشهوة).
‎الشهوة: مساءا أيها الوسيمان، لم أستطع منع أذني من السماع، و أستطيع الجزم بأنكم تتكلمون عن فتاة عرفتها، اختيارك راق للغاية يا سيدي، تملك جسدا كقطعة من الثلج بالرقة و النعومة، و البرودة بالطبع.
‎ ‏الكاتب: أهلا يا شهوتي المثيرة، أحضري معك قدحا و شاركيني أرقي هنا، الواقع كان مغادرا للتو، لا أعتقد بأنه سيقبل الجلوس يوما و تبادل الحدي.. (يقاطعه الواقع بلهفة)
‎ ‏الواقع: بعد التفكير في الأمر، أعتقد بأنني سأجلس قليلا من دافع الفضول في حديثك، فهو ملفت على نحو ما، تفضلي أيتها الجميلة (يبعد الكرسي الذي بجانب كرسيه للشهوة و هو منحنٍ بلباقة، كما انحنى أمامه الملوك)
‎ ‏الشهوة تنظر بعين جائعة على الدوام، لكنها تنظر للواقع هذه المرة: أشكرك، و تحتك بكتفه عن سابق إصرار و ترصد.
‎ ‏الكاتب: الآن و قد جلسنا، ما سبب زيارتك المشرفة يا صاحبة الجلالة في كوننا هذا.
‎ ‏الشهوة: لم تكن في نيتي القدوم لمكتبك اليوم، أتيت مع أحد الشبان في موعد في نهاية هذا الشارع، و كان هناك إحدى الفتيات رائعات الجمال و الشكل، أحاول إقناعها منذ ساعات المساء الباكر بتقبيله علني أرى بعض المشاهد الفنية و الغريزية المعروفة للبشر، في تلك اللحظة سمعت حديثكما، أنت و هذا النبيل بجانبي، عن الغزل، فقررت الدخول و إبداء بعض الأراء اللطيفة مني.
‎ ‏الكاتب: أشكرك على هذه المبادرة الجميلة من جانبك و لكنك تعلمين، بخصوص رأيي في الغزليات غير البريئة  فأنا أرفضها رفضا قاطعا (يشهق بعضا من التبغ و يرمقها بنظرة التحدي و الغرور)
‎ ‏الشهوة: أنا أعلم جيدا ما يدور في رأسك، أنا أتجول بداخله طول الوقت، لكن دعنا ننظر للأمر من الناحية الفنية، تخيل الأجساد تنحني بشكلها الأثيري، القبل تنهمر كالأمطار على أرض تشققت شوقا للماء بعد صيف طويل، مجرد ذكر الأمر يجعلني أقشعر حبا!
‎ ‏الكاتب: هذا يبدو مولعا بالفعل، دعيني ألقي نظرتي عليه و لتلقي نظرة عليه بعيناي….
‎عدة ساعات غير معدودة، دار نقاش طويل وجودي حول الحب و العذرية  بين الكاتب و الشهوة، بينما وقف الواقع مشدوها مما يخرج من شفاههما تحت ضوء القمر المطل من نافذة واحدة على الطاولة صاحبة الأربع مقاعد بشكل الشمس، يحيط بها آراء غير مكتملة محفوظة في بردى الليالي.
‎(صوت انزياح الكرسي الواقعي، و قطع الانسجام الخيالي بين الشهوات و الفلسفة و الفن و بعض من الخمر و التبغ الفوضوي بقواعده الخاصة)
‎الواقع: لقد تأخر الوقت للأسف، سأضطر للذهاب لقوقعتي الزمنية الخاصة بي، هذا المكان يختنق بالأحلام بالنسبة لمخلوق مثلي، سأعود غدا و ربما أذكر العائلة بمن أنا بطريقة ألطف، وداعا..
‎يخرج الواقع من الباب و يبقيه مفتوحا ليعطي انطباعه بأنه سيعود متى رغب، تلتفت الشهوة لوجه الكاتب المبرق بلون الشمع المتوضع على المائدة الفكرية و تقول:
‎إذا، هل ستعترف بحبك لها و أشاهد افكاركم و هي تتكاثر لتنجب آراءا تشبهك في الملامح؟!
‎الكاتب: لا أعتقد بأنني سأفعل على المدى الحالي، أحتاج بعضا من الطاقة لبعض النشاطات الشبيهة بالانتحارية المستقبلية.
‎ ‏و ماذا استفدنا من نقاشنا المطول إذا؟
‎ ‏الكاتب: إنقاذ عائلة من مخالب الواقع..
‎تبتسم الشهوة و هي تشاهد وجه الشيطان ينعكس بغياب القمر و تدرك بداخلها بأنه كان يتحكم بكل ما حوله بغوغائية منسابة، و تعلم بأنها ستبقى أسيرة المكتب دوما، و بأن الكرسي الرابع على الطاولة لم يكن إلا لشخصيته السوداوية و هي فضولية المظهر و التعطش.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى