مدونات

حوار بين معلم وأستاذ جامعي

جرى هذا الحوار في مناسبتين. المناسبة الأولى هي عندما كتب مساء يوم السادس والعشرين من يونيو الماضي، صديقي ميلود العضراوي، الكاتب في جريدة “المساء” المغربية، كتعليق منه على هامش الحلقة الخامسة من سلسلتي عن الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل ما يلي:
“(…)، لقد اتحفتني بكل ما في الكلمة من معنى بإرسالك هذا الموضوع الشيق وأعدتني إلى الوراء عشرات السنين حين دفنت أنفي ذات مرة في كتاب لهوسرل وهو دروسه في نظرية المعنى Leçons sur la théorie de la signification الذي تحدثت عنه في مقالك الشيق.. ترجمتك رائعة وقلمك نافذ ورائع وأمثالك ناذرون في وسط ثقافي يحلق على علو منخفض.. دامت صداقتنا أيها الشهم الكبير.”

وفي مساء اليوم الثاني من الشهر الموالي (تموز)، عاد نفس الصديق ليكتب تعيلقا آخر على هامش الحلقة السابعة من سلسلتي عن هوسرل منوها بعملي بغير قليل من الثناء حيث كتب في حقي هذه الكلمات المعبرة: ” أنت تحلق على علو مرتفع صديقي العزير واجنحتك سامقة كل ما اتمناه هو أن ينتبه الكتاب والأدباء لهذه الترجمات البعيدة الغور”. بدوري، أردت التفاعل معه فكتبت كتبت ما يلي:

“ليس من قبيل إفشاء سر إذا بحت لك بشيء أدركه ببداهة وهو أن الكتابة فيها وفيها.. فيها ما هو لحظي، “Jetable” لا قدرة له على مقاومة التلف السريع بحيث سرعان ما ينسى وهذا ما حدا بمحمد عزيز الحبابي لأن يقول لصحفيين كانوا بحضرته في إحدى المناسبات: أنتم تكتبون أشياء قابلة لأن تنسى بسرعة.. هذا النوع من الكتابات ليس فيه نفع يذكر لمن يبحث عن المعلومات الغميسة البانية للثقافة العلمية الرزينة.. على خلاف ذلك، هناك كتابات تتنطع على النسيان وتريد أن تكتسب قيمة لا تبلى وأن تؤسس للمعرفة العلمية اعتمادا على مصادر موثوقة.. لهذا، صديقي، تراني أبذل كل ما أوتيت من جهد لأكتب شيئا نافعا يقدم إضافة نوعية لمشهدنا الثقافي ويفتح نوافذ على نظريات ومقاربات علمية وفلسفية جديدة تمخضت عنها تجارب أمم أخرى نشكل الأخر المتقدم بالنسبة لذاتنا القومية أملا في مساعدتها على تدارك تخلفها وتقويم عثراتها.. والله المستعان..”

بالطبع، كانت هذه الفقرة التي ارتجلتها حافزا لصديقي على إغناء هذا الجدل الفيسبوكي حيث دون فقرة أكبر حجما يعرب في بدايتها عن مجاراته لمسعاي النبيل فكتب هذه الكلمات:

“بوركت صديقي العزيز، وكذلك نفعل من موقعنا في مادة الاقتصاد السياسي والتنمية والحكامة ولا ننسى نصيبنا من الأدب والفكر والصوفية وباقي العلوم لأننا نجد متعة في ذلك ونجد أداء ديداكتيكيا في الاقتصاد السياسي الذي يعتبر رافدا أصيلا من روافد علم الاجتماع، وكل ذلك في سبيل محو ظلامية الجهل والظلم بتركيبته القوية في مجتمعاتنا العربية؛ ظلم الحقوق، وظلم المجال، وظلم الإنسان.. (في هذا السياق)، تواصل “المساء” نشر أطروحة في الاقتصاد السياسي تعري الظلم الحاصل في هذا الجانب، وتكشف خبايا اللعبة التي شابت عملية خصخصة القطاع العمومي الذي يعتبر ملكية محفظة لفائدة الشعوب التي انعتقت من نير الاستعمار، (غير أنه) سرعان ما آل ريعها المالي إلى فئات ذات نفوذ، وبعد فتح رؤوس الأموال العمومية في غفلة عن الشعب صاحب هذا العقار الكبير تحولت هذه القطاعات الى إقطاعات ذات طابع فيودالي عن طريق لبرلة الاقتصاد والانفتاح والسوق الحرة وما إلى ذلك.. نقدم هذا الوعي الفكري بنظريات علماء الاقتصاد الكبار ليخول وجهة النظر في الوعي السياسي عند القاعدة المغربية التي تنغمس في الثقافة الحزبية والنقابية حنى الأدنين، ولا تعرف شيئا عن الاقتصاد كعلم. وقد راعني وزير في الحكومة جهله بتعريف المنظومة الاقتصادية الاستثمارية حين نعت قطاع الحليب والماء بالاقتصاد الوطني، ووجه اتهاما مباشرا للشعب كونه بمقاطعته هذه المواد يضر بعائدات الاقتصاد الوطني، وقد التبس عليه الأمر في كون 240 ألف من اليد العاملة في القطاعين تشتغل في سياق اقتصاد وطني وبين ذلك عن جهل.”

أما المناسبة الثانية فيعود تاريخها إلى شهر شتنبر من السنة الماضية حيث قرأت لكليمي في الفيسبوك فقرة سرعان ما تفاعلت معها بطرح هذه الأسئلة:

“هؤلاء الذين أتى الدكتور ميلود عضراوي في تدوينته الأخيرة على جرد صفاتهم (مثقفين خونة وأقلام مرتزقة ودبلوماسيين جشعين ورجال أعمال) ممن ساعدوا إسرائيل على تنفيذ المشروع الصهيوني الرامي إلى تقويض الثقافة العربية، أليس لهم زعماء يقودونهم ويوجهونهم؟ أليست لهم منظمات تحميهم وتوزع الأدوار عليهم؟ وما هي المستندات المعتمدة في الحكم عليهم؟ إلخ..

بصفة عامة، يحفز موقع التواصل الاجتماعي الناس على الكتابة. كلو ويلغي بلغاه. هذا شاعر مرهف الإحساس يتظاهر بأنه يمارس طقوسه الدينية بانتظام إلا أنه لا يبين عن إعجابه إذا ما صادف قصيدة أو شذرة شعرية مصحوبة بصورة كاتبتها حتى لا يقال لقد سقط في أحابيل جمالها، وهذا دكتور في عجلة من أمره يعرض على أصدقائه الافتراضيين والواقعيين خلاصات لبحث حول موضوع خطير وحساس يتطلب إنجازه إجراء تحقيق معمق وتقص شاق.

لا أظن بتاتا أن صديقي ميلود عضراوي ينتمي لهذا الصنف الأخير.. ربما له منهجية خاصة يشتغل بها.. فعوض أن ينطلق من المقدمات، يحبذ – ربما – المشي في الاتجاه المعاكس؛ أي من الخواتم إلى المقدمات.. هذا القلب مسموح به من وجهة نظر الخيال السوسيولوجي كما عرفه عالم الاجتماع الأمريكي رايت ميلز..

ربما لن يروق الأسلوب الذي كتبت به هذه الرسالة الأستاذ الموجهة له، لذا أقول له: أنا أتحدث عن الفيسبوك و”ما داير في عباد الله”..أنت، يا أستاذ، عبرت عن افتراضات وأحكام هي في حاجة الى بحث وتمحيص واستقصاء. ما أريد قوله هو أن المرء، خاصة إذا كان أستاذا جامعيا وباحثا، مطالب بتعزيز أقواله وأحكامه بحجج وأدلة مقنعة، لا إطلاق الكلام على عواهنه دون سند يدعمه. في الحقيقة، الموضوع الذي أثرته في تدوينتك يحتاج إلى مشروع بحث، وقد اعتقدت أنك بصدد الإعداد له. ولتعلم، عزيزي ميلود، أني لا أبغي من خلال التفاعل معك سوى تطوير النقاش والرفي به إلى مستوى الصفوة المستنيرة لا النزول به إلى مستوى االرعاع وأنصاف المتعلمين.

لم يقف هذا الجدل الفيسبوكي عند هذا الحد إذ أبى صديقي عضراوي إلا إغناءه من خلال تعقيبه على الفقرة ما قبل الأخيرة حيث أوضح أن الافتراضات والأحكام ليست موضع حديثه. لقد تحدثت عن مرحلة الانفتاح الساداتية التي كانت فاتحة لنشر المشروع الصهيوني في مصر وبعض الدول العربية.ثم أضاف أن هذا المشروع تزعمه كتاب وفنانون وشعراء يطبعون مع الصهاينة وينشرون كتاباتهم لتفسير المخطط السلمي المزعوم الذي برز بعد مرحلة توقيع اتفاقية كمب ديفد وزيارة السادات إلى اسرائيل.

هنا تساءل الأستاذ الجامعي والمفكر الاقتصادي: ألا تتفق معي أنها مرحلة خيانة بالنسبة لهؤلاء الكتاب في الشرق العربي وحدا حدوهم فيما بعد نخبة من الكتاب العرب في مجموع الوطن العربي ؟ وفي إطار الدفاع عن نفسه كتب أن ذلك هو قصده مؤكدا على أن الموضوع يدور حول اشكالية التطبيع وما انتجته فيما بعد من انهزامية لا أقل ولا أكثر. وفي نفس الإطار نفى صاحب التدوينة المنطلق أن يكون كلامه مطلوقا على عواهنه مشيرا إلى أن هذه اشكالية ثقافية كبرى تحدتت عنها المؤلفات والكتابات والأبحاث وإلى أن الموضوع يتعلق بما هو عربي عام لا يخص جهة معينة. وفي الأخير يعترف بأنه فهم من الفقرة الرابعة قصدي وأنه سليم الطوية ويتحرى الحقيقة.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق