سياسة وتاريخ

حوار| بعد لجوئه.. «الحسناوي»: أعبر عن محنتي بالكتابة وصحافة المغرب لا مستقبل لها

“من الاعتقال في المغرب إلى اللجوء السياسي في السويد”، هكذا يلخّص مصطفى الحسناوي المحطات الكبرى في حياته كصحافي مغربي، سبق واعتقل في المغرب سنة 2013 بتهمة “الانضمام إلى جماعة إرهابية”، وتحوّل فيما بعد إلى عالم الصحافة المغربية، مهتم بقضايا الإرهاب والجماعات الإسلامية، قبل أن يفاجئ قارئيه ومتابعيه بإعلانه قبل أشهر، حصوله على حق اللجوء السياسي في دولة السويد.

في هذا الحوار الذي خصّ به “الحسناوي” موقع “عربي 22″، يقول إن اختياراته المهنية قوّضت كفاءته، وأن واقع الصحافة في المغرب “مؤسف ومحزن”، مضيفًا أن هجرته للسويد محطة سيكون لها ما بعدها في مسيرته.

اقرأ أيضًا: حوار خاص: رواية “كثير من الوجع” تجربة تستنطق كنه المجتمع المغربي

اقرأ أيضًا: حوار| 14 عامًا على نشر الرسومات المسيئة للرسول.. هل تتكرر في 2020؟

بدايةً.. هل أثرت تجربة السجن ومواقف الهيئات التي تضامنت مع مصطفى الحسناوي غداة تلك المحنة، في اختيارك لخوض تجربة مهنية مع جريدة تعتبر من الجرائد المؤدلجة بعد خروجك من السجن؟

صراحةً لم أفهم كيف تؤثر مواقف الهيئات المتضامنة مع قضيتي، في اختيار كهذا؟ رغم أنه لم يكن اختياراً، بل كنت مضطراً للعمل بعد تجربة السجن تلك، ووجدت الفرصة في منبر “هوية بريس“، ومن أول يوم، وأستغل الفرصة لتوجيه التحية لمن تشاركنا العمل سويةً فيه.

من جهةٍ أخرى، ليست هناك منابر إعلامية مستقلة بتاتًا، كل المنابر مؤدلجة ومسيسة وتابعة لهذه الجهة أو تلك. وكلنا يعرف أن زملاء عديدين يشتغلون مع مواقع إلكترونية لأحزاب سياسية، لا علاقة لهم بها ولا بأيدولوجيتها ولا بمشروعها وأهدافها، ويشتغلون مع منابر للتشهير، وأخرى تنشر التفاهة، ومنابر مخزية، وأخرى لأصحاب “الشكارة”. وكما تعلم فسوق الشغل تتحكم فيه عوامل عديدة، زد عليه خصوصية سوق العمل في المغرب والإكراهات المحيطة به.

ألا ترى أن اختيار مصطفى الحسناوي الانضمام لمؤسسة إعلامية منحازة نسبيًا لتوجه فكري معين قد تسببت في هضم كفاءتك المهنية ووضع مجموعة من العراقيل في وجه مستقبلك كصحافي؟

صحيح أنا أعي هذا تمامًا، لو كنت في منبر آخر، أكيد كنت سأبرز كفاءتي أكثر، وأنطلق في مجالي لأصل فيه لمراتب ومستويات من النجاح، لم أصلها في تجربتي هذه للأسف.

بالتأكيد كانت هناك بعض العراقيل الإيديولوجية والتنظيمية والإدارية، عراقيل ذاتية وأخرى موضوعية، مضايقات من الخارج، وإكراهات الالتزام بالخط التحريري.

لكن مع كل تلك العراقيل التي أشرت إليها، مع كل الصعوبات التي واجهتني، مع كل الحذر الذي كانت تبديه الكثير من الجهات في التعامل معي، فقد استطعت إثبات وجودي، من خلال كتاباتي، ومشاركاتي في المبادرات والأنشطة المختلفة، وعلاقاتي المنفتحة على الكل.

بل أكثر من هذا فقد وضعت بصمتي في هذا المنبر، مباشرة بعد التحاقي به، وأنجزت حوارات مع أسماء، لم يكن أحد يتخيل أن تظهر على هذا المنبر، ومن باب الأمانة أؤكد أن نجاح هذا الأمر، لم يكن ليتم، لولا تفهم القائمين على المنبر، وتحليهم بنوع من المرونة، وقد كانت عندي حرية مطلقة في الامتناع عن الكتابة في مواضيع لا أريد أن أكتب فيها، ولم يكن هناك إلزام أو فرض من أي نوع، لكن أيضًا لم يكن بالإمكان الكتابة في مواضيع تعارض توجه الجريدة وتخرج على خطوطها الحمراء.

انطلاقًا من تجربتك في الصحافة المغربية، هل ترى أن التوجه الخاص للصحفي بإمكانه طَبعْ الخط التحريري للمؤسسة التي يشتغل بها أم أن العكس هو ما يقع؟

هذا يعتمد على عوامل عديدة، منها العامل الشخصي، والسياق السياسي للبلد. يمكن للصحافي إذا كان صاحب شخصية قوية، وأفكار مبدعة، ومبادرات لافتة، أن يطبع الخط التحريري. بطبيعة الحال مع استحضار طبيعة المؤسسة، هل هي مؤسسة يتحكم فيها فرد واحد ويسيّرها؟ هل القرارات تتخذ بشكل ديمقراطي؟ أيضًا هل هناك انغلاق وتوتر سياسي؟ هل هناك انفتاح بمستوى من المستويات؟.

في تجربتي طبعت وساهمت إلى حد ما في جوانب محدودة، في تطوير “هوامش” الخط التحريري (إن صح التعبير)، والانفتاح على أجناس أخرى، لكن “نواة” الخط التحريري، كانت عصية جدًا، وهذا طبيعي، وهو حق من حقوق صاحب أي تجربة أو مشروع إعلامي، يريد أن يخدم من خلاله أهدافًا سياسية أو أيديولوجية، لأن ذلك الخط الصلب وتلك النواة، هي العمود الفقري لمشروعه ورؤيته، ولن يسمح بالمساس بها.

بالنظر إلى ما تتعرض له بعض الجرائد من تضييق وخناق مادي وعلى مستوى حرية التعبير، هل يرى مصطفى الحسناوي أن للصحافة المستقلة أي مستقبل في المغرب؟

الصحافة المستقلة كلمة فضفاضة، لا تعكس المعنى الذي يتبادر لذهن القارىء، كان المصطلح يقصد به سابقًا مستقلة عن الأحزاب، أو مقابل الصحافة الحزبية، ولا يمكن اعتبار الصحافة مستقلة لمجرد أنها ليست حزبية. بل من خلال تجربتي أكثر صحافة دافعت عن قضيتي أثناء اعتقالي، وأقصد الصحافة المكتوبة، كانت هي الجرائد الحزبية (الاتحاد الاشتراكي، العلم).

ومؤخرًا أجرت معي جريدة أسبوعية مشهورة (مستقلة)، حوارًا مطولًا، هي من سعت إليه وتواصلت معي مرارًا لإجرائه، ثم تم تأجيله ولم ينشر، ثم تأجل ثانيًا وثالثًا، ثم قطع على الصحافي الاتصال، رغم أنه هو من كان يطلب مني أن أخصه بحوار، وهذا المثال يعكس إلى أي مدى تلك الجرائد مستقلة.

ما وصلت إليه الصحافة بفعل فاعل، هو أمر مؤسف ومحزن، ينذر بأن القادم أسوأ في هذا المجال، فمحاربة الصحافة والتضييق عليها، بالمنع والقمع والمتابعات والذعائر، وإغراق السوق بالتفاهات ودعمها. كل هذا يؤكد أنه لا مستقبل للصحافة النزيهة في المدى القريب والمتوسط.

إذا وضعنا اهتمامات واختيارات القارئ والمتلقي المغربي بعين الاعتبار، ألا ترى أن ما يتم تقديمه اليوم من محتوى إعلامي هو ما يجب تقديمه في هذا الانحدار الذوقي وانتشار الإقبال على التفاهة؟

هذا إذا تعاملنا بمنطق “ما يطلبه المشاهدون”، وجرينا لاهثين وراء ضغطة الزر (كليك) و الإعلانات (أدسنس) والمشاهدات والمبيعات، وهنا سيكون الصحافي مجرد سمسار ودجال لا أخلاق له ولا مبدأ ولا رسالة.

لكن إذا كانت الصحافة رسالة نبيلة كما تعلمنا ودرسنا، وكان الصحافي كشخص أو كمؤسسة، يستحضر أهداف ومقاصد الصحافة، من إخبار وتعليم وتثقيف، ونشر للوعي وللقيم النبيلة. فينبغي حينها، مقاومة هذا التيار الجارف من التفاهة، والمساهمة في رفع الذوق، وينبغي للصحافة أن تقوم بدور توعية الشعب إلى جانب باقي المؤسسات التي تشتغل في المجتمع.

اليوم مصطفى الحسناوي لاجئ سياسي في دولة من المفترض أنها حاضنة أساسية للديمقراطية وقيم الحداثة، ألا تحِن للعودة إلى معترك الصحافة في جو مشحون يتسم بالشد والجذب بين السلطة والصحفي الباحث عن الخبر؟

أنا الآن في هذه الدولة لا أزال وليدًا، يتعلم خطواته الأولى، يتعلم كلماته الأولى، لا يزال أمامي مشوار طويل لتعلم اللغة، وبعدها لأفهم هذا المجتمع؛ أفهم بنيته وثقافته وسياسته ومؤسساته وإعلامه، حتى أتمكن من الاندماج الكلي فيه.

ولا شك أن الاشتغال في مهنة أحببتها وقدمت تضحيات كبيرة جداً في سبيلها، أمر أتوق إليه، والاشتغال في هذه المهنة في بلد يحترمها ويحميها، هو هدفي الذي بدأت فعلًا في وضع خطته.

ألا تعتقد أن “حلاوة” الممارسة الصحفية تكمن في المناكفة والأخذ والرد؟

حلاوة كل شيء، تكمن في صعوبته، سواء كان صحافة أو رياضة أو سياسة أو مغامرة. المناكفة والمنافسة والتحدي هي التي تعطي معنى للنتيجة التي يصل إليها الإنسان، وقديمًا قيل “كل ممنوع مرغوب”.

بل تقوم أجناسٌ في عملنا الصحافي على هذا التحدي، والسعي للتغلب على الصعاب، وكشف المستور – وأقصد التحقيقات الصحافية، أو الصحافة الاستقصائية، بل حتى الخبر العادي والتقرير والحوار، كلها نوع من التحديات المستمرة.

ختامًا.. ما الذي أضافته تجربة اللجوء السياسي إلى الحسناوي الإنسان؟ وما مصير الكاتب داخلك بعد كل هذا المسار؟

ليس فقط تجربة اللجوء السياسي، كل تجارب مصطفى الحسناوي السابقة، طبعت شخصيتي وأضافت لرصيدي. مررت بمحن وتحديات ومحطات كبيرة وتجارب غزيرة، كل واحدة منها كانت تدفعني لمزيد من البحث ومزيد من الانفتاح. وأنا في كل محطاتي تلك، أفكر بصوت مسموع، أعبر كتابة عن قناعات جديدة، أشارك بها قرائي ومتابعي، ولا شك أن هذا الكاتب يكبر ويتطور.

تجربة اللجوء لا تزال في بدايتها، ولا شك أنها ستكون أغنى من سابقاتها، نظرًا لطبيعة الانتقال لبلد منفتح وتعددي، وما يتيحه ذلك من احتكاك مباشر بثقافات مختلفة، وأنا أمس ليس هو مصطفى الحسناوي اليوم، ولن أكون هكذا غدًا. سيكون دائمًا هناك الجديد، وسأعبر عنه بالكتابة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Oussama Bougrain

طالب صحفي و مدون من المغرب أجمع في تكويني الأكاديمي بين الصحافة و القانون .

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق