سياسة وتاريخ

حكومة لبنان.. حكومة الضحك والبكاء

بعد فترة من الترقب، وبعد اجتماع طويل وشاق، أعلنت حكومة حسان دياب الجديدة في لبنان امتناعها عن سداد ديون لبنان الخارجية لدائنيها، وفي كلمة مقتضبة أعلن رئيس الحكومة في خطاب للشعب أن سبب ذلك الوضع الحرج الذي يعيشه لبنان هو الفساد وتدهور العملة، علاوة على انخفاض الاحتياط النقدي للبلاد منذ أكتوبر الماضي.

كانت سياسات حكومتي سعد الحريري خلال فترة ماقبل احتجاجات أكتوبر 2019 وحتى تكليف حسان دياب بخلافته قد أثارت سخط اللبنانيين؛ فقد كشفت الاحتجاجات عن كم هائل من الفساد داخل القطاع المصرفي، ناهيك بالطبع عن فساد الساسة وزيادة الضرائب التي كانت القطرة التي أفاضت كأس الصبر وكسرت حاجز الصمت عند أبناء بلاد الأرز.

تحول الفساد في لبنان ما بعد اتفاق الطائف لكابوس يخنق اللبنانيين داخل لبنان وخارجه، وربما في الخارج أكثر؛ لأن اللبناني المغترب يعاني الأمرين في غربته ليوفر حياة كريمة لأسرته لكن دون جدوى، فالعائدات المالية تذهب لكبار الساسة وعلى وجه التحديد المنتمون للعائلات السياسية الحاكمة، خاصة في أوساط السنة، والموازنة وسط بنية تحتية منهارة وخدمات منعدمة.

استغل الساسة كذلك القوانين لشرعنة استيلائهم على المال العام، كما حدث مع أراضي مشروع سوليدير المملوك لآل الحريري، وكذلك اقتطاع جزء من الشريط الساحلي البديع للعاصمة بيروت لإنشاء مطاعم ومقاه دون دفع ما يستحق من أموال لخزينة الدولة، فيما تمتلئ خزائن الساسة الأفاضل بالمال الحرام، بينما البشر والحجر يئنان من تدهور المعيشة.

تدفق المال السياسي خاصة من السعودية وإيران كان له دور لا يقل خطورة عن سرقة المال العام، فذلك المال الممنوح من أكبر دولة خليجية مفترض أنها حليف تاريخي لسنة لبنان كان موجهاً كما أعلن لتنمية لبنان، وإخراج الفقراء من سكانه من دائرة الفقر إلى العيش الكريم، لكن تيار المستقبل وجهه لخدمة مخططاته الانتخابية، والكيد لحزب الله وحلفائه؛ فكانت النتيجة أن تحولت بيروت لواحدة من أقذر مدن العالم بعدما ملأت القمامة شوارع سويسرا الشرق.

مال طهران الطاهر استغله حزب الله في بناء ترسانته العسكرية، وتقوية حصنه المنيع في ضاحية بيروت الجنوبية، ودفع كله لمقاتليه لذبح المدنيين العزل في سوريا، وكنتيجة لتكدس أمواله في المصارف اللبنانية؛ أصيبت المصارف اللبنانية بهبوط حاد في احتياطاتها من الدولار بعد العقوبات الاقتصادية والمالية اللتان استهدفتا الحزب وسيده الإيراني على مدار الأعوام الماضية.

كان من الطبيعي نتيجة هذا الوضع الشاذ أن ينتفض اللبنانيون لوضع لبنان في مكانته المستحقة، وكان هتافهم صريحاً لايحتمل تأويلاً “كلن يعني كلن”؛ أي أن جميع الساسة المتصدرين للساحة عليهم المغادرة لفسادهم وطائفيتهم، لكن هؤلاء الثعالب التفوا على مطالب الحراك.

استبدلت الوجوه القديمة التي تتصدر المشهد بوجوه جديدة جرى تزويرها في فترات سابقة لاستكمال المسيرة المدمرة، وخير دليل على ذلك هو رئيس الحكومة الحالي الذي أقيل من منصبه كوزير للتربية لتورطه في قضايا فساد، فإذا به يكافأ الآن بأن يتولى حكومة مهمتها الأولى محاربة الفساد الذي شارك فيه رئيسها.

إنها الكوميديا السوداء أن يشارك اللص في محاكمة بقية شركائه، وسيظل لبنان يدور في حلقة مفرغة من العجز والفساد والطائفية مابقيت تلك القيادات في مناصبها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى