مدونات

حكاية أمينة وعلاقة الضحية بالجلاد

احترت كثيرًا في أمر السيد أحمد عبد الجواد وحرمه المصون السيدة أمينة، ذلك الثنائي المبهر، حاك نجيب محفوظ شخصياتهما باقتدار شديد، حيث رسخ فيهم معظم الإرث المجتمعي وتقاليده، وعرض من خلالهما أدق التفاصيل النفسية المتابينة لدى النفس البشرية والعلاقة بين الضحية والجلاد، فمن هي الست أمينة التي لا يعرفها أحد؟ هل هى ضحية حقًا ومقهورة أم أنها مشتركة مع الجاني في ظلمه؟

الجاني هنا كان سي السيد الآمر الناهي، يؤمر ليطاع، يتفنن في اخضاع أمينة واذلالها، في الوقت ذاته يدلل نفسه ويتفانى في إشباع رغباته، ولا تقدر أمينة حتى على الاعتراض، بل ترتضي الذل في خنوع تام، وكثيرًا ما كانت توجد هي المبررات لأفعاله النرجسية والمؤذية لها.

بالبحث في ما وارء تصرفات أمينة أو الضحية بشكل عام، نجد أن هناك نوعان من الارتباط بين الضحية والجلاد، النوع الأول هو نوع من الارتباط الإنساني البحت، حيث تنشأ عاطفة ما بين الضحية والسجين وسجانه، يحدث هنا نوع من أنواع التقدير من طرف للآخر، تقدير لذاته والتماس العذر له حيث من الممكن أن يكون السجان أيضًا مغلوب على أمره، مثلما حدث بين غاندي والسجن الخاص به، كل منهما احترم إنسانية الأخر، فلم يحمله غاندي ذنب سجنه، وسمح سجانه بدخول الكتب الممنوعة وسمح ببعض الزيارات الاستثنائية.

أما النوع الآخر فهو الارتباط المرضي، حين يتعرض الضحية لكل أنواع القهر والظلم واغتصاب الحقوق، ليتأكد أنه هالك لا محالة، إلا إذا تعطف المغتصب ومنَّ عليه بالعيش لمدة أطول، فيتحول الظالم للمنقذ، ويصوره العقل بصورة إيجابية تخلو من المشاعر السلبية كحيلة دفاعية تدفع المظلوم للصمود والتكيف، فنجد أن المظلوم يتبنى أفكار الظالم ويعتنقها معتقد تمام الاعتقاد أن في تلك الأفكار طوق النجاة. والأكثر من ذلك أن الضحية يحارب كل من يحاول أن يرد الظالم عن ظلمه.

إذاٍ لا عجب لمن لا يرضى إلا بعيشة الذل والهوان، هؤلاء تصوروا أنهم عاجزين إلا عن الاستمتاع بالتعذيب، وتقبل كل ما هو شاذ. الآن عرفت من هى أمينة الحقيقية، تلك هى الشخصية الكامنة داخل شعوب كاملة تجرعت الظلم، ونشأت على انعدام القيمة، ورضيت العيش منكسرة تحت وهم الاستقرار والأمان، فالسجان هنا ليس سي السيد وحده بينما هو كل معتد أثيم، ينهب أقوات الشعوب ولا يشبعهم إلا مهانة، فقد خنعت الشعوب لحكام الدكتاتورية، وعاشت لتلعق نعل الحذاء الذي يدهسها. فصدق نجيب محفوظ حين قال “عجب أن أهل حارتنا! إنهم يسجدون أمام النبابيت، ويعبدون مذلهم، يداوون بذلك كله الرعب الكامن في أعماقهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

مريم أحمد حسين

كاتبة مهتمة بالشأن الثقافي والمعرفي، بدأت كتابة المقالات بشكل احترافي ونشرها منذ 2016، وتم نشر بعض القصص القصيرة في عدة صحف ومجموعات قصصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى