سياسة و تاريخ

حقيقة عمل أجهزة الاستخبارات

أجهزة الاستخبارات ؛لماذا؟!

تشكلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بعد الفشل الكبير الذي حدث في الحرب العالمية الثانية في بيرل هاربر  وأدى إلى تدمير الجزء الأعظم من الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ.

فكان الهدف الرئيسي لتشكيل جهاز الاستخبارات آن ذاك هو؛ التنبؤ بالمعارك القادمة، وإطلاق صافرة الإنذار للقيادات العسكرية بالتحرك لمواجهة العدو بعدما فشل مكتب الخدمات الاستراتيجية والذي كان منوطا بتلك المهمة.

ومن أجل نجاح هذا الجهاز تم استحداث طريقة عمل جديدة غير التي كانت متبعة في مكتب الخدمات الاستراتيجية، وهذه الطريقة كانت جعل عملية جمع البيانات عملية مركزية حتى تصنع في النهاية قرارات جيدة.

كيف تعمل أجهزة الاستخبارات؟

يعد عمل أجهزة الاستخبارات هو الأهم على الإطلاق في كافة الدول، فإن كانت الدولة تمتلك جهاز استخبارات قوي، وقائد سياسي ذكي فقد تربعت على  عرش صناعة القرار الدولي.

فأجهزة الاستخبارات منوط بها تلك المهمة الأصعب بين جميع المهامات، ألا وهي صنع القرار في أوقت السلم والحرب على حد سواء.

ففي أوقات السلم تجمع  أجهزة الاستخبارات كافة الاسئلة التي تؤرق صانعي القرار ثم يرسلونها إلى الجواسيس على الأرض حتى يحصلوا على الأجوبة.

وهذه الأجوبة بدورها تخضع لعملية تحليلية كبيرة حتى تستخلص منها الإجابات التي يرى صناع القرار مدى صدقها ومطابقتها للواقع.

وفي أوقات الحرب يكون هدف الاستخبارات فهم الألعاب القائمة على الأرض، وتحديد أنواع العلاقات ولاسيما الدولية منها، وتقدير ميزان القوى، وكل هذا يجعل رجل الاستخبارات يتنبأ بما سيفعله الآخرون، والتحليل البطيئ يؤدي إلى البطء في عملية صنع القرار، والبطء وقت الحرب في تحديد مصير المعركة يعني الفشل.

كيف تفكر كرجل مخابرات؟!

كان لأدهم صبري الشهير ب”رجل المستحيل” وأفلام هوليود دور كبير لتشكيل صورة ذهنية خاطئة وبعيدة كل البعد عن المهمة الحقيقية لرجال المخابرا، فرجل المخابرات ليس ذلك السوبر مان الذي لايهزم في أي معركة، ولا ذاك الفذ المتقد الذكاء الذي يلقى به  وحده في خضم معارك ملتهبة فينتصر على الجميع ويعود سالماً غانماً.

رجل المخابرات ببساطة قد يكون دبلوماسي في القنصلية القريبة من دارك، أو هو ظل السفير المهندم الذي لايفارق مكتبه الأنيق بالسفارة، ولما لا وغالب عمل القنصليات والسفارات ليس إلا عمل مخابراتي لجمع البيانات وتحليل الشعوب من على الأرض التي يعملون عليها، فليس عملهم كما يروج له بتوطيد العلاقات بين الدول، وخدمة مواطنيهم.

فكي تفكر كرجل مخابرات فكل ما عليك فعله أن تتبع السلسة التي يستخمونها في التفكير لتصل في النهاية إلى قرار حكيم، وهذه الطريقة تتلخص في الآتي:

بيانات +تحليل= استخبارات منجزة

التحليل يكون كالآتي (الحكم على مصداقية البيانات -السؤال عن مصدرها – إدراك مدى قرب المصدر من البيانات -تصفية البيانات – موثوقية البيانات- ضم البيانات الجديدة إلى القديمة وتكوين صورة كلية تؤدي إلى صناعة المنتج النهائي الذي يصل لصانعي القرار ).

الطريقة التي يفكر بها العلماء وكذلك أجهزة الاستخبارات  هي إنهم لايبدأون بالبيانات وإنما يبداون بالفرضيات، نظرا لكثرة البيانات التي تؤدي لتشعب المنتج عند التحليل ولذلك يفترضون أكثر الفرضيات خطرًا ويعملون عليها.

وبعد تحليل تلك البيانات والعمل عليها يتولد منتج يسمى (الاستخبارات المنجزة)، وهذا المنتج يتم إرساله إلى القيادة السياسية لإتخاذ القرارات المبنية على هذا المنتج، فعمل القيادة السياسية ونجاحها وفشلها في الوقت ذاته يتمحور حول أجهزة المخابرات وكفائتها في المقام الأول، فإذا امتلك النظام الحاكم جهاز استخبارات قوي وفعال فقد يستطيع التخلص من أكبر الشرور كما حدث في إنقلاب الخامس عشر من تموز\يوليو 2016 في تركيا، فلو لم  تكن الاستخبارات التركية متيقظة وأخبرت القيادة السياسة في الوقت المناسب لكنا شهدنا تغيير الخريطة السياسية للمنطقة في وقتنا الراهن.

وكذلك الحال في حرب العراق في التاسع عشر من آذار \مارس2003 ، فلو خضعت البيانات لتحليل جيد، ووجد قائد سياسي ذكي لما وقعت الولايات المتحدة في خضم حرب انهكت اقتصادها وغيرت الخريطة السياسية للشرق الأوسط وللمنطقة برمتها وأصابتنا بويلات نعاني منها إلى الآن.

صنع القرار السياسي

يقال أن السياسي المحنك هو الذي يتخذ أكثر القرارات جدلاً في أوقات المحنة رغم ضبابية الرؤية وقلة الأتباع لأنه يرى المستقبل بعين بصيرة.

ولكن في الحقيقة فإن ثلاثة أرباع عمل السياسي تتوقف في النهاية على عمل جهاز استخباراته، فكل ما يفعله هو أن يتخذ القرارات الهامة على ضوء “الاستخبارات المنجزة” التي تقدم له.

استخبارات منجزة+قرارات= عمل

يقول ميكافيلي “القائد العظيم هو من يقتنص الفرص”

عمل القائد السياسي المحنك هو اتخاذ قرارات لارجعة فيها، والعمل على الفرص التي تأتيه بها أجهزته الاستخبارية بكل ما أوتي من قوة، وذلك هو مايميز القائد العظيم الذي يصنع التاريخ عن الحكام الذين تتعاقب عليهم الدهور دون أن يأتوا بجديد لشعوبهم وبلدانهم.

فإن كان عمل أجهزة الاستخبارات غاية في الأهمية فإن عمل القيادة السياسية هو الذي يكمل تلك المهمة الخطيرة، فإما أن يصعد بالدولة إلى مصاف الدول، أو يلقي بها في مزابل التاريخ.

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق