سياسة وتاريخ

حقيقة الأقصى: هل جوهر الصراع العربي الإسرائيلي محض «خيال»؟

جوهر الصراع عند أغلب الشعوب الإسلامية مع إسرائيل هو بسبب احتلالهم للمسجد الأقصى، في حين يرى اليهود المتدينيون أن هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث واجب وفرض يجب أن يسعوا لتنفيذه، بل وأصبح تنفيذ ذلك من وجهة نظرهم مسألة وقت فقط، حيث إن الكنيست الإسرائيلي أقر في شهر يوليو  2018 قانون “الدولة القومية لليهود” والذي يحولها بشكل تدريجي لدولة دينية، حيث ينص القانون على أن “دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وفيها يقوم بممارسة حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي لتقرير المصير”.

المسجد الأقصى عند المعتقد اليهودي: أنقاض الهيكل

في الواقع يؤمن اليهود بأن المسجد الأقصى قد تم بناؤه على أنقاض معبد (هيكل) سليمان، وهيكل سليمان أو البيت المقدس هو أقدس مكان ديني يهودي، حيث باختصار شديد يؤمن اليهود أنهم شعب الله المختار بمعنى أن الإله الذي خلق الكون اختارهم ليظهر لهم من هو وأنه سيقف معهم ضد أعدائهم من الأغيار (غير اليهود)،  سفر التثنية (2:14) “لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ، وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِكَيْ تَكُونَ لَهُ شَعْبًا خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.”

وبطبيعة الحال كانت الصلاة طقس أساسي للتقرب من الله لابد من الذبيحة التي تذبح على المذبح بغرض أن يغفر الله لهم أخطاءهم ويتقربون بها إليه ثم يحرقوها، فكان أول مكان هو خيمه الاجتماع وهي خيمة لم تكن ثابتة بل كانت متحركة مع قبيلة بني إسرائيل أثناء ترحالهم للمناطق الأخرى من سيناء إلى أرض الفلسطينيين، في اليوم الذي أكملت فيه الخيمة أظهر الله ذاته في سحابة غطتها وملأتها، بعد ذلك تحولت السحابة إلى عمود كان يسير أمام الشعب في رحلاتهم. إذا وقف العمود فوق الخيمة ينزل الشعب، وإذا انتقل نقلت الخيمة وتبع الجمهور السحابة. بالليل كانت السحابة تتحول إلى عمود نار يسير أمامهم (40: 35-38، عد 9: 15-23).

ثم بدأت فكرة الهيكل في عهد الملك داوود  “دافيد” الذي هو ملك في اليهودية والمسيحية وليس نبي كما في الإسلام. ولكن خطيئة داوود مع زوجته أوريا الحيثي كانت العائق في بنائه للهيكل وعندما تولى ابنه الملك سليمان (الذى هو ليس نبي كما في الإسلام) قام ببنائه في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو ما يطلق عليه  حاليًا “الهيكل الأول” فنجد في سفر أخبار الملوك الثاني الإصحاح الثالث “وشرع سليمان في بناء بيت الرب في أورشليم في جبل المريا حيث تراءى لداوود أبيه حيث هيأ داود مكانًا في بيدر ارنان اليبوسي” وتفاصيل بنائه بالقياسات الهندسية مذكورة بشكل مفصل في العهد القديم (التوراة في الإسلام) لدرجة أن بعض المشككين في العهد القديم ينتقدوا تلك القياسات التي تظهره كقصر يحتاج لبنائه لمعدات هندسية حديثة دقيقة في ذلك التصميم الهندسي القياسي.

وهنا تجدر الملاحظة أن الهيكل كان يطلق عليه “בית המקדש” والتي ترجمتها الحرفية هي بيت المقدس وإصطلاحًا تعني المعبد  حيث كلمة בית تعني بيت وهي تنطق كذلك في العبرية، أما كلمة המקדש تعني المقدس أو المعبد حيث حرف ה هو أداه تعريف باللغة العبرية شبيه بـ(ال) باللغة العربية وthe باللغه الإنجليزية.

وكان اليهود يتعبدون فيه إلى أن دمره نبوخذ نصر الملك البابلي (بابل في العراق) سنة 586 قبل الميلاد، واتخذ اليهود عبيدًا وأطلق على تلك الحادثة بـ”خراب الهيكل” أو “السبي البابلي”.

إلى أن جاء الملك الفارسي كورش وسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين، وقاد اليهود الوالي الفارسي اليهودي “زربابل” 516 قبل الميلاد فنجد في سفر عزرا الإصحاح الرابع عدد 3: “فقال لهم زربابل ويشوع وبقية رؤوس آباء إسرائيل ليس لكم ولنا أن نبني بيتًا لإلهنا ولكننا نحن وحدنا نبني للرب إله إسرائيل كما أمرنا الملك كورش ملك فارس”.

لكن مع استيلاء الرومان على الشام وهزيمتهم للفرس تغير الوضع، فالرومان بدؤوا وثنيين يتقربون لليهود وفي أثناء حكمهم ظهر المسيح يسوع (عيسى بن مريم)  وقام اليهود بتحريض الرومان لصلبه لأنه يجدف (يهرطق) ضد العقيدة اليهودية، وبعد ثلاثة قرون اعتنق الإمبراطور قسطنطين الأول المسيحية (قسطنطين بن هيلانة) 337 ميلاديًا.

وهنا، حدث الاضطهاد لليهود الذين هم في نظر الرومان من تسببوا في قتل المسيح ومن حولوا مكان صليب المسيح لخرابة، وعند قيام اليهود بالثورة الأولى ضد الحكم الروماني رد عليهم الرومان بعقوبات منها هدم الهيكل الثاني في 70 ميلاديًا على يد تيتوس ابن الإمبراطور فيسباسيانوس، ويؤرخ لتلك المرحلة بشكل مفصل الدكتور عبد الوهاب المسيري، صاحب موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”، وحتى الآن يحلم اليهود ببناء الهيكل الثالث.

المسجد الأقصى
المسجد الاقصى فى الاديان والثقافات المختلفه

صلب المسيح والأقصى

بطبيعة الحال، لم تهتم المسيحية بالهيكل حيث إنه في الأصل مكان عبادة لليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح يسوع بالرغم من الاعتراف بقداسة الهيكل حيث إن المسيح يسوع كان يهوديًا ومن نسل بني إسرائيل، بل وصلى أيضًا في الهيكل وغضب عندما كان اليهود يقومون بالتجارة والبيع داخل الهيكل، ووبَّخ الناس بشدة قائلًا: “مكتوب بيتي المسجد الأقصى الصلاة يُدعى. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص” متى 21: 12، 13.

وكما يؤمنون بانه عند صلب المسيح يسوع حدثت عدة ظواهر منها: انشقاق حجاب (ستارة) الهيكل حيث نجد في إنجيل متى 27: 51-53 “وإذا حجاب الهيكل قد انشقّ إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته”، والجدير بالذكر، أن إنجيل متى هو الإنجيل المتفرد من الأربعه أناجيل بتلك الرواية، فلم ترد تلك الرواية في إنجيل مرقس أو إنجيل لوقا أو إنجيل يوحنا.

إلا أنه يوجد اتجاه ديني سياسي يطلق عليه المسيحية الصهيونية أي المسيحي الذي يؤمن بعدالة قضية اليهود في استعادة مملكة داوود وإعادة بناء الهيكل حتى يعود المسيح ليحكم العالم، وظهر هذا الاتجاه بين الإنجيليين في الولايات المتحده ثم بدأ في الانتشار للعالم، فالاتجاه يعتمد على أن اليهود يريدون ظهور المسيح فهم لا يؤمنون بالمسيح يسوع (عيسى بن مريم) فهو في نظرهم مجدف مهرطق مدعي من ضمن عشرات مدعين أنهم المسيح، ولا يؤمنون بعذرية القديسة مريم (مريم بنت عمران)، في حين يرى أنصار اتجاه المسيحية الصهيونية أنه إذا تم هدم الأقصى وتم بناء الهيكل الثالث وتم تقديم الذبائح ولم ينزل المسيح بعد ذلك فإن اليهود سيكتشفون أن من قتلوه من 2000 عام هو المسيح الحقيقي أو ينزل المسيح مرة أخرى على سحابه ليحكم العالم بالعدل.

المسجد الأقصى
المسجد الأقصى في الإسلام مذهب أهل السنة والجماعة

يعد المسجد الأقصى بشكله الحالي هو أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فكان المسلمون -كما هو متداول- قبل الإسراء يصلون في اتجاه الشرق نفس، قبله اليهود في اتجاه هيكل سليمان الذي سيصبح المسجد الأقصى بعد رحلة الإسراء.

وروى البخاري (41) عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلَّاهَا صَلاَةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ”.(المصدر: الشيخ محمد صالح المنجد، موقع الإسلام سؤال وجواب)

كما أن رحله الإسراء مختلف في توقيتها؛ فمثلاً يذكر ابن إسحاق أن الرحلة كانت بعد البعثة بنحو عشر سنين. في حين رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ موسى بن عقبة، عَنِ الزهري أَنَّهُ قَالَ: “أُسَرِي بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ”. فى حين نجد في كتاب “البداية والنهاية” لابن كثير، أن الاختلاف لم يكن فقط في سنة الإسراء والمعراج بل حتى في الشهر الذي حدثت فيه تلك الحادثة، فنجد “البداية والنهاية” 3/135، وانظر: ابن الجوزي: “الوفا بتعريف فضائل المصطفى” ص162، وقال الصالحي: “واختلفوا في أي الشهور كان الإسراء”.

فجزم ابن الأثير وجمع منهم النووي في فتاويه كما في النسخ المعتمدة، بأنه كان في ربيع الأول، قال النووي: “ليلة سبع وعشرين”. وجرى عليه جمع، وهكذا عن الفتاوى الإسنوي في المهمات، والأَذْرَعي في التوسط، والزركشي في الخادم، والدميري في حياة الحيوان، وغيرهم.

وكذا رأيته في عدة نسخ من الفتاوى وفي بعض النسخ من شرح مسلم كذلك، وفي أكثرها ربيع الآخر كما في نسخ الفتاوى. ونقله ابن دحية في الابتهاج، والحافظ في الفتح، وجمع عن الحربي. والذي نقله عنه ابن دحية في كتابيه: “التنوير” و”المعراج الصغير”، وأبو شامة في الباعث، والحافظ في فضائل رجب، “ربيع الأول. وقيل: كان في رجب”. وجزم به النووي في الروضة تبعًا للرافعي، وقيل: في رمضان. وقيل: في شوال. انظر: سبل الهدى والرشاد 3/65، والاختلاف في توقيت الإسراء والمعراج له آراء أكثر اختلافًا (راجع  الدكتور راغب السرجاني، “تاريخ وتوقيت رحلة الإسراء والمعراج”)

وعلى كل حال، أصبحت حادثة الإسراء متفق عليها بين علماء المسلمين، مختلف على توقيتها سواء سنه الحادثة أو شهر الحادثة، المهم أنه طبقًا للتاريخ فإن هيكل سليمان الثاني قد تم هدمه 70 ميلاديًا وأول بناء للمسجد الأقصى كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، إذا كان المكان عبارة عن هدم وخراب، وهذا من الأسباب التي جعلت بعض الكتاب الكبار مثل الدكتور يوسف زيدان وغيره، يقول إن مكان الإسراء كان مسجد آخر غير المسجد الأقصى أن الخليفه الأموى عبد الملك بن مروان هو من أسس لفكرة قداسة المسجد الأقصى الموجود حاليًا أثناء نزاعه مع عبد الله بن الزبير على الخلافة، وجوهر الصراع الإسلامي الإسرائيلي هو المسجد الأقصى.

تايخيًا في كتاب “البداية والنهاية” لابن كثير، يذكر تلك الحادثة نصًا في وصفه لظروف سيطرة الخليفة عمر بن الخطاب على مدينة “إيليا” التي سيتم تسميتها القدس أو بيت المقدس بعد ذلك: “أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية، أو يؤذنون بحرب، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده، واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح، بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب”.

“ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار، فأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه، فقال: ضاهيت اليهودية، ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقي بها في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب، فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمي ذلك الموضع “القمامة”، وانسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك.

وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء، وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود، قال لهم: “إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا”، ثم أُمروا بإزالتها، فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون، فأزالها عمر بن الخطاب، وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه “المستقصى في فضائل المسجد الأقصى”. (المصدر “البداية والنهاية” لابن كثير – الجزء السابع – فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب)

الشيعة وموقف متأحرج

يبدو موضوع المسجد الأقصى عند شيعه آل البيت ملتبس لحد ما، فمثلًا فى كتاب “قصص الإسراء والمعراج”، للكاتب فارس الفقيه، واعتماداً على نصوص الشيخ ماجد الزبيدي، لدار نشر “زوى القربى” 1426 هجريًا، بمدينة قم داخل إيران، ص 23، يقول بالنص: “المسجد الأقصى هو مسجد القدس المغتصب، وتسميته بالمسجد الأقصى لبعده عن المسجد الحرام مسافة طويلة، ويمكن أن يكون بيت المقدس غير المسجد الأقصى الموجود بأرض فلسطين”.

فبالفعل لا يقتصر الخلاف عند الشيعة في شهر أو سنة الإسراء والمعراج وإنما يمتد أيضًا إلى مكان المسجد الأقصى هل هو الموجود بفلسطين أم الموجود بالسماء، إلا أنه بالطبع خلال قصة الإسراء والمعراج عند الشيعية، نجد التأكيد على ولايه الإمام علي وفضائل السيدة فاطمة ابنه الرسول، وهنا نورد نص رد آيه الله محمد جميل العاملي، حيث قال في الرد الذي وضع له عنوان “المسجد الأقصى في السماء المعمورة وليس في الأرض”، ما نصه: “قد جاء في الأخبار أن الإسراء على نحوين: منه محدود ومنه عام، فالأول ما وقع من المسجد الحرام إلى بيت المقدس خاصّة أي في فلسطين على وجه الخصوص كما يشعر به بعض الأخبار العامية، والثاني عام كما في بعض أخبارنا الشريفة حيث تفسر المسجد الأقصى بالبيت المعمور في السماء الرابعة.

فعلى القول الأوّل؛ الأمر واضح حيث لا يصح نسبة الإسراء إلى فلسطين وذلك لأن بيت المقدس يكون نهاية الإسراء وهو خلاف الأخبار القطعية الصدور الدالة على أن غاية الإسراء إنما كان إلى السماوات السبع وليس إسراؤه صلى الله عليه وآله مقيّداً بالإسراء إلى فلسطين فقط باعتبارها إحدى الأماكن التي زارها النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله بل هو أعم من ذلك. كما كشفت عنه النصوص الشريفة والمخصص بفلسطين لا نجده يفقه آيةً من كتاب الله بل هو جاهل مرتاب إن لم يكن ناصبياً لأخبار آل الله تعالى!.”

بل ويقول عن المسجد الأقصى الموجود فى القدس: “وقد أفصحت الآية الكريمة في مطلع سورة الإسراء إلى أن الله تعالى سيريه من آياته (لنريه من آياتنا) وأي آيات رآها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في مسجد عمر بن الخطاب وكعب الأحبار في فلسطين؟! بل الآيات كانت في مسجد الكوفة وكربلاء وفي السماء المعمورة، وعلى فرض أنه أراه إحدى الآيات في فلسطين إلا أنها كغيرها من الآيات التي شاهدها في غير فلسطين! فما هي الميزة لمسجد فلسطين عن غيره من بقية المساجد المعظمة كمسجد الكوفة الذي وردت الأخبار الشريفة بعلو فضله على سائر المساجد كما في رواية مستدرك وسائل الشيعة التي نقلها من الكافي.”

وبدورها، أكدت الجمهورية الإسلامية إيران وكافة الجماعات الشيعية مثل جماعة حزب الله أو أنصار الله (الحوثيين) على أن المسجد الأقصى هو الموجود بفلسطين. وفى مركز الرصد العقائدي وهو أحد أكبر المواقع الشيعية المتخصصه في الرد على الشبهات فترد على ذلك بالقول: عن أبي عبدِٱللهِ ﴿عَلَيهِ السَّلَامُ﴾، قال: سألتُه عن المساجدِ الَّتِي لها الفضل، فقال: “المسجدُ الحرامِ، ومسجدُ الرَّسُولِ ﴿ﷺ﴾”، قلتُ: والمسجدُ الأَقصى جعلت فداك؟ فقال: “ذاكَ في السَّماءِ، إِليهِ أُسرِيَ رسولُ ٱللهُ ﴿ﷺ﴾”، فقلتُ: إِنَّ النَّاسَ يقولونَ إِنَّهُ بيتُ المقدسِ، فقال: “مسجدُ الكوفةِ أَفضلُ منه “) . [ ج3 ص 409]، إِلَّا أَنَّها ضعيفةٌ السَّنَدِ، والمشهورُ عندَ الشيعةِ أنَّ المسجدَ الأَقصى الَّذِي أُسرِيَ منهُ النبيّ﴿ﷺ﴾ هُو هذا المسجدُ الموجودُ في فلسطينَ.

كما يقول السيد مرتضى القزويني، في برنامج “قصص قرآنية” في قناة “كربلاء” الشيعية عن الإسراء والمعراج، ما نصه: “الروايات المتواترة أن الله عرج بالرسول إلى السماوات 120 مرة ولكن أبرزها الإسراء المعراج”.

المسجد الأقصى عند القرآنيين

القرانيين هم جماعه ظهرت باسمها الحالي في العصر الحديث وهم يؤمنون بأن الإسلام الصحيح يعتمد على القرآن والمتواتر من السنة فقط، وأن الإسلام تم تحريفه واختطافه من قبل السياسيين حيث إن الحكام أضافوا أحاديث لأحاديث الرسول لتشرعن لهم الحكم كما أن أول كتاب لتدوين أحاديث الرسول هو كتاب البخاري وتم كتابته بعد وفاة الرسول بأكثر من قرن ونصف (500 سنة) مما أثر على درجة النقل وصحة نسب تلك الأحاديث للرسول.

المسجد الأقصى
ويعد  الكاتب الإسلامي، أحمد صبحي منصور، هو أبرز القرانيين في مصر، وتم القبض عليه واعتقاله ثم هاجر للولايات المتحدة، وأسس موقع “أهل القرآن” الناطق باسم القرانيين، فيقول أحمد صبحي منصور عن المسجد الأقصى في كتابه “أكذوبة المسجد الأقصى في القدس”، في المقدمة: “يثبت أن ما المسجد الأقصى في مدينة القدس هو أكذوبة وتتناقض مع الإسلام، وأنه مسجد ضرار بناه الخليفة عبد الملك بن مروان على أنقاض الهيكل الإسرائيلي “كما يضيف في كتابه في الباب الأول “بسبب هذا المسجد الضرار (الأقصى) في القدس تمت التعمية على المسجد الأقصى الحقيقي فى طور سيناء، والذي تردد ذكره في القرآن الكريم في قصص موسى عليه السلام. ثم أصبح هذا المسجد الأقصى مقدسًا لدى (المسلمين) يعتبرونه أول القبلتين وثالث الحرمين. وتوالت قرون بتقديسه من العصر الأموي إلى العباسي والمملوكي والعثماني إلى عصرنا الراهن”.

ويضيف أيضًا: “في ليلة القدر التي هي ليلة الإسراء كان الإسراء من المسجد الحرام فى مكة إلى المسجد الأقصى في جبل الطور، حيث كان الله تعالى يكلم موسى وحيث أنزل عليه التوراة، وحيث رفع الجبل وأخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل، وحيث كان التبشير بنزول القرآن في إطار ذلك كله. ولهذا اقترن جبل الطور بالقداسة والبركة والطهر، كما اقترن جبل الطور أو المسجد الأقصى بالمسجد الحرام أو مكة، وذلك في سور الإسراء والتين والطور.

الروايات التاريخية التراثية هي المسئولة عن ذلك الخلط الذي وقعنا فيه. إذ تجاهلت طور سيناء وأدت العوامل السياسية إلى إطلاق المسجد الأقصى على الذي بناه الوليد بن عبد الملك الأموي فى القدس. ولم يكن موجودًا ذلك المسجد عند فتح القدس، بل إن القرآن لم يتعرض مطلقًا للقدس أو بيت المقدس. إذ لم يذكر سوى البيت الحرام والطور، ووصفهما بالبركة . كما أشار إلى مسجد المدينة أيضًا ( التوبة  108، 109 ) ولو كان ذلك المسجد الأقصى موجودًا فعلًا في فلسطين وتم الإسراء إليه لتردد ذكره في القرآن بديلًا عن طور سيناء، ولكن ذلك لم يحدث”.

الأحمدية: إسرائيليون يدافعون عن الأقصى

الجماعة الإسلامية الأحمدية، هي جماعة ظهرت في فلسطين ويعتبروا أنفسهم يمثلون الإسلام الصحيح فهم أيضًا يؤمنون بكل ما ورد في القرآن ولكن يؤولونه بطرقه المختلفة، وآراء مثيرة للجدل خاصة وأن المذهب نشأ سنه 1924 في ظل الاحتلال البريطاني لفلسطين بل يعيشون الآن في سلام ويحملون الجنسية الإسرائيلية في حي الكبابير بمدينة حيفا مما يثير شكوك المسلمين الآخرين حول مذهبهم.

المسجد الأقصى
الرأي المعلن عندهم حول المسجد الأقصى نجده في موقع “بساط أحمدي” الناطق باسم الطائفة الأحمدية قولهم “لجماعة الإسلامية الأحمدية لا تقول بأن المسجد هو مسجد آخر والعياذ بالله بل تقول بأن المسجد الذي أسري إليه النبي ﷺ هو المسجد الأقصى المعروف للمسلمين جميعاً في فلسطين، ولكن الجماعة تفسر هذا الإسراء بأنه نبوءة لنزول المسيح وصلاته في مسجد مثيل له في قاديان أي أن هذا الإسراء ليس للترويح عن النفس كما يقول المشايخ بل هو إشارة لنزول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام الذي شدد النبي ﷺ على نزوله في الأحاديث الصحيحة وأكد بأنه يصلي في المسجد الأقصى وهذا الذي قاله المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام مؤكداً أن المسجد الأقصى المذكور في سورة الإسراء هو بالفعل الذي في فلسطين وهو يحمل نبوءة نزول المسيح في المسجد الأقصى بقاديان مما يدل على ذكر مدينة قاديان في القرآن الكريم بالمعنى لا بالتصريح”.

الا انهم يضيفوا في نفس الرد تحت عنوان “ما المقصود بالمسجد الأقصى في سورة الاسراء؟” كلام يبدو عكس ما قالوه سابقًا مثل: “المراد من المسجد الأقصى هو مسجدُ المسيح الموعود الكائن في قاديان الذي سُجِّل بشأنه في “البراهين الأحمدية” كلام الله كالآتي: “مُبارَكٌ و مُبارِكٌ وكُــلُّ أمٍر مباركٍ يُجعَل فيه.” ولفظ المبارك الوارد هنا بصيغة المفعول به وبصيغة الفاعل يطابق قولَ الله تعالى في القرآن الكريم له. فلا غرو أن قاديان قد جاء ذكرها في القرآن الكريم“. ( مقتبس من إعلان منارة المسيح، يوم 1900/5/28، ص ج الحاشية، ومجموعة الإعلانات، مجلد 3، ص 289-288)، “ولا أدري هل التناقض في الرد مقصود بغرض ما (مثل التقية أو الباطنية).

المسجد الأقصى عند البهائيين

المسجد الأقصى
البهائية هى أحد الديانات التي ظهرت بعد الإسلام من مسلمين ادعوا أنهم موصولون بالوحي فظهرت البابية ثم البهائية وبالتالى المسجد الأقصى ليس له قداسة عند تلك الجماعة إلا “محفل عباس” هو على اسم أحد المبشرين بالبهائية، قتل عام 1850 وتم دفنه في ذلك المعبد للبهائيين في مدينة حيفا، ويتردد أنه قريب الشبه في البناء الهندسي من قبه الصخرة، حيث أن قبته زهبيه وله تدريج يشبه تدريج الدرج في قبة الصخرة.

الملحدون: لا تعليق

بطبيعه الحال، الملحد لا يؤمن بأي دين إلا أنه يرى أن المسجد الأقصى الذي حل محل هيكل اليهود هو سبب الصراع الإسلامي اليهودي في العصر الحديث ويؤمن بذلك أغلب المختصين أو المتابعين لذلك الصراع. إلا أن الإضافة هنا هي أن الصراع هو صراع بين مؤمنين بأساطير وخيالات ليست حقيقية، فلا يوجد ملك اسمه داوود ولا سليمان ولا هيكل ولا إسراء ومعراج =، كلها من وجهه نظر الملحد أساطير وتخاريف أدت إلى الصراع الطويل في الشرق الأوسط.

ويستندون إلى ما يذكره بعض علماء الآثار والذين منهم إسرائيليون، بأنه لا يوجد هيكل ولا داوود ولا سليمان ولا أي أثر لتلك الحقبة أمثال العالم الإسرئيلي، إسرائيل فنكلشتاين، وآخرين محايدين مثل توماس طُمسن، صاحب كتاب “الماضي الخرافي (التوراة والتاريخ)”، والكاتب العلماني الماركسي سيد القمني، في موسوعة “موسى وتل العمارنة” الذي أنكر فيها وجود النبي موسى أيضًا، بالإضافة للسابقين وأعاد تكرار ذلك في كتاب “الأسطورة والتراث”.

والواقع هو أن هناك الكثير من آراء المتخصصين في علوم الآثار ينكرون وجود الهيكل إلا أن إسرائيل كدولة قامت بحفريات تحت المسجد الأقصى وأعلنت أنها وجدت تحته عواميد وعملات معدنية تدل على تلك الفتره على الرغم من رفض علماء الآثار العلمانيين في إسرائيل لإمكانية صحة ذلك الادعاء مثل الدكتور إسرائيل فنكلشتاين، الذي يعمل في جامعه تل أبيب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد مصطفى عبد المنعم

https://twitter.com/mohamed48390726

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق