مدونات

حقيقة الآمال الزائفة

قابلتني جملة بالصدفة ألهمتني لكتابة هذا المقال “تجنب الإيجابية المفرطة!”

من المعروف أن الإفراط في شيء قد يكون مضرّا بطريقة ما، “فما زاد عن حدّه انقلب ضدّه” كما يقولون، لستُ أذمّ الإيجابية أو أقف ضدها الآن، فمن يقرأ أغلب ما أكتبه يجده يتمحور حول التفكير الإيجابي، ولأنني من هذا النوع فقررت أن أبحث عن هل ما أفعله صواب أم أنه مبالغٌ فيه بعض الشيء، والحقيقة يصعب عليّ الاعتراف! فأخاف أن يساء فهمي أو أبدو كالمتناقضة.

فبدايةً، ماهي الإيجابية؟ من وجهة نظري، هي التفكير بالجانب الجيد قبل السيء، والتنبؤ بالنتائج المرضية والمرغوبة، والتغاضي عن الاحتمالات التي تشير إلى الفشل؛ فهي تهدف إلى التخلص من القلق والخوف اللذين يؤديان بالنهاية للشعور بالإحباط والاستسلام.

وكثيرًا ما تجد الإنسان المبتسم طوال الوقت، أو الذي يحرص بشكل كبير على تهدئة من هم حوله وتشجيعهم رغم أي مشكلة يتواجدون فيها هو من يطلقون عليه الشخص المتفائل.
وربما هذا هو الخطأ، أننا نرى الشخص الغير المتفائل هو إنسان متشائم، لا يريد أن يفكر إلا في المعوقات ولا يضع آمالًا من عنده، يرفض الشعور بأن كل شيء سيكون بخير وبصورة رائعة من تلقاء نفسه دون أن يتدخل!

وأنا في هذا المقال بالتحديد سأقف محايدة، عندما أتحدث إلى شخص يأس من الحياة وأتعبته الظروف، من المخطئ أن أظهر له أنه هو من يصعّب على نفسه، أو أن كل شيء سيتحول بين ليلة وضحاها إلى المسار الجيد، ولا ينبغي أن آخذه من واقعه وأضعه في أرض الأحلام الجميلة مدّعية أنني إيجابية! بل إنه يحتاج إلى الحقيقة، ما مدى سوء حاله؟ وكيف يمكنه إصلاحه؟

في البداية يجب أن نجيب له عن هذين السؤالين وأن نكون صريحين معه، ومن ثم ننتقل إلى مهمة التحفيز ورفع معنوياته، بالكلام “الإيجابي” ونحاول أن نعدد له الجوانب الممتازة والتي تبشر بالخير بنبرة فيها حماس معقول وليس مفرط.

التأمل الزائد، ووضع الآمال الخيالية التي تسعدنا من داخلنا والشعور المفرح الذي يتركانه في أنفسنا، شيء جميل! ولكن قد يلقي بنا في مكان مظلم في النهاية! فالواقع واقع، يجب تقبله، ولا يصح الهرب منه بدافع “الإيجابية”.

أما عن القصص التي نلبث نسمعها كل يوم عن الناس الناجحين والملهمين، وكيف بالرغم من أن حياتهم كانت في غاية السوء، فنجدهم الآن قادة وشخصيات مشهورة، أو أطفالا كانوا مشرّدين من شدة الفقر والحاجة وها هم اليوم يجنون ثروة عوّضتهم عما عانوه، كلها قد تبدو محفّزة وتعطي أملًا للاستمرار، ولكن أنت لا تعلم كيف كان يفكر صاحبها! دائمًا إيجابي؟!

الشعور بأن كل شيء بخير لغرض الامتنان لله شيء مطلوب، والتذمر المتواصل لا يجدي نفعًا.. حاول فقط ألا تُدخل المفاهيم ببعضها البعض، الامتنان شيء والإيجابية شيء آخر؛ الأولى تظهر فيها الشكر على ما تملكه، والأخيرة تستخدمها لتقنع عقلك بأنك ستملك ما لا تملكه..
لهذا كن إيجابيًا، ولكن لا تدع التفكير الوردي يزيف لك الواقع.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى