ثقافة وفنون

حضور المرأة في رواية “القاتل الأشقر”

إن حضور المرأة في الروايات والأدب عمومًا ظل يكسوه التميز، ويكسبها نوعًا من التعاطف، سواء فيما يتعلق بالقارئ أو الكاتب، فمن جهة يحاول الكاتب أن يجعل من المرأة شخصية تسمو وتترفع؛ لتكون أكثر نضجًا و تضحية، بينما يتعلق بها القارئ ويحن إلى الميل نحوها ومساعدتها، وتتفاعل عواطفه مع مكنوناتها فيشفق أشد الإشفاق عليها، ويلقي كل اللوم على المجتمع الذي تعيش فيه، أو الزوج الذي عنفها، أو الأب الذي حرمها من المدرسة مثلاً، أو ممارسة ذاتها فيما تريد وتسعى إليه.

لقد عايشت وأنا أقرأ الأدب المغربي على وجه التحديد هذا الأمر في أكثر من مرة، توقفت كثيرًا عند توظيف الكتاب والروائييين للمرأة أفضل توظيف، عكس الرجل أو صورة الأب، الذي يرافقه في كل عمل أدبي صورة المتسلط والظالم، المهمل لبيته والقاسي على زوجته وأولاده، الشخص السكير والبخيل الذي يقتات على ما تجنيه المرأة من عملها اليومي أو الأبناء.

إن هذا الحضور للمرأة المغربية في الرواية لم يكن وليد الصدفة، ولم يأتِ من فراغ، فالمرأة تستطيع أن تلعب أدوارًا متعددة يصعب على الرجل أن يلعبها، فهي الزوجة والأم والمربية، والعنصر الأساس الذي تدور حوله الأحداث، والعارف بخبايا وأسرار البيت، ويظهر ذلك جليًا في رواية “لعبة النسيان” لمحمد برادة، وكيف أن الأم لالة الغالية كان لها دور بارز وقيادي في تسيير شؤون البيت، حيث نجد أن برادة الكاتب المغربي المميز يبالغ في وصف الأم بشكل يفوق الدقة، سواء تعلق الأمر بدورها المنزلي، أو عند موتها ودفنها.

كما نجد أن الكاتب المغربي والعالمي محمد شكري، قد برع بشكل مميز في حياكة دور أمه وما كانت تعانيه مع الأب في روايته المعروفة “الخبز الحافي”، حيث قدمها للقارئ صبورة ووفية، مطيعة ومحبة لبيتها وأبناءها، رغم كل الظروف التي مورست عليها من قبل الزوج، لكنها حافظت على بيتها لأطول فترة ممكنة.

وفي قراءتي لرواية القاتل الأشقر للكاتب والأستاذ طارق بكاري، أجدني أمام تيمة المرأة حاضرة بشكل قوي في صناعة الأحداث وتسلسل الحكي، وإن كان القاتل هو الممسك بزمام الأمور، وهو الذي تدور حوله الأحداث ببلاد الشام.

إن حضور المرأة في هذه الرواية المميزة حضور خطير؛ وتوظيفه من قبل الكاتب توظيف يمزج فيه ما بين التعاطف الضمني، واللوم والعتاب، فما فعلته الأم في صغرها ذنب لا يغتفر، كانت له نتائج كارثية تتحمل جزءًا من مسؤوليتها، فشخصية البطل الذي جاء إلى هذه الحياة عن طريق الخطأ، ما كان ليكون قاتلًا، وما كان لينضم إلى تنظيم القاعدة، لو لم تسقط الأم في فخ اللذات والجنس، وتهرب من قريتها إلى المدينة، إن هذا الأمر تمرد للمرأة على القيم التي تربت عليها في المجتمع البدوي المغربي المحافظ، وهذا التمرد مهما اختلفنا في أسبابه، إلا أنها تتحمل جزءًا كبيرًا منه.

هذا القاتل الأشقر ما كان ليولد قاتلًا، لولا أن رأى القتل أمام أعينه، تمارسه الأم كل ليلة، ما كان ليتمرد لو أن الأم حافظت على بكارتها وبقيت في باديتها، ولم تهرب إلى المدينة، لقد ولد هذا القاتل بدون أب، وتحولت حياته من حياة البراءة إلى حياة فيها كل شيءٍ مستباح.

لقد سهّلت عليه الأم أن يكون مجرمًا غير عاديًا، وأن يعيش الوحشية في دواخله ومكنوناته، لقد سعى وهو ينظر إلى ما تقوم به أمه من ممارسات لا أخلاقية، لأن يبرز ذاته من خلال القتل الذي أضحى وسيلة مباحة يستلذ بها للإعلاء من كينونته ووجوده، ويغطي بذلك على فشل الأم في تربيته، وإيجاد أب له كغيره من الأطفال، لقد فقد كل شيء ولم يتحمل أي شيء، فتوالت عليه الهزات والنكبات، وبات القتل أو الانتقام وسيلته الوحيدة وخلاصه الأبدي.

الكاتب في روايته هذه يصور لنا المرأة من جهتين، الجهة الأولى وهي تلك المرأة المحافظة التقليدية البدوية، التي عادة ما تصبر على كل الظروف والصعوبات ولا تتمرد رغم كل ما يحل بها، فتكون النتيجة إيجابية، بحيث تكون أسرة ناجحة.

في حين الصورة الثانية وهي التي تغلب على الرواية، والتي تجسدها المرأة الهاربة من جحيم التقاليد الشعبية المغربية -حسب زعمها-، حالمةً بغد أفضل في المدينة، وفي النهاية يكون مصيرها مجهولاً وتسقط في فخ الدعارة، وتصبح كغيرها من الهاربات من مناطق بعيدة يشكلن خطرًا كبيرًا على المجتمع، فالمرأة في هذه الرواية لم ترتدي جلباب البيت، ولم يكن لها دورٌ إيجابيٍ ولا حضورٌ مميز، بل على العكس من ذلك شكّلت عاملًا سلبيًا لم تستطع أن توفر المناخ الجيد لابنها، ولا أن تربيه أفضل تربية، فقد عاش في محيط يخيم عليه المشاكل، وتسيطر عليه الليالي الحمراء، والعاهرات من كل لون وجنس.

الأم -وهي إحدى الشخصيات التي تلعب وراء الستار- اختار لها طارق بكاري الظل لتطل منه، وتساهم في تدوير الأحداث وتواليها، مذنبةً في حق القاتل مهما حاولنا نحن القراء والنقاد ومعسر الدارسين أن نتعاطف معها، لقد اختارت أن تكون عاهرةً، وأن يطبع حياتها ووجودها العهر، تلمست فيه مسلكًا ينير حياتها المظلمة، وينقذها مما هي عليه، بعدما توالت عليها الخيبات، وانعدم الوجود، وأضحت رهينة العدم، كونها كانت عرضة لأشد أنواع المعاناة والاغتصاب.

ومن هنا يمكن القول إنها أصبحت وسيلةً في يد العشاق واللاهثين وراء إشباع حاجاتهم ونزواتهم، ولم تعُد امرأة تؤدي دورها الذي خلقت من أجله، والذي يعطيها قيمتها وأناقتها.

وحتى وأنها سارعت عن قصد أو غير قصد إلى أن تكون امرأة، فقد فشلت في ذلك وحاولت أن تغطي على ذلك بالأطفال أحيانًا، لكنها نسيت العقد النفسية وما سيترتب عن ذلك بعد خروجهم إلى المجتمع، وهذا ما نلمسه جليًا فيما يشعر به بطل روايتنا، فعبر حديثه للصحفي اللبناني، وعند كل عقدة تحل نكتشف أن القاتل يشعر بالتعاسة وبالدناءة، وأكثر من هذا الوضاعة والانحطاط، وكأن في مكنوناته كان يريد أن يصنع قدرًا آخرًا له ولأمه.

وهذا عكس ما نجده في الروايات الأخرى، حيث كفاح الأم وتضحيتها في سبيل وصول أبناءها إلى القمة، لقد كان يؤمن أشد الإيمان بأن القدر خانه ولم ينصفه كغيره من الأطفال، لم ينصفه ولم ينصف أخوه، سواء في اختياره للأم أو الحبيبة.

القاتل الأشقر سيقع مرة أخرى في حب فتاة عاهرة هوسها الوحيد ممارسة الجنس وجمع المال، لا تنظر إلى الحب، ولا تريد الخوض فيه والخروج من هذه الحياة إلى حياة الزوجية، تعيش معهم في نفس المكان، وتشترك نفس المهنة التي عليها أمه، فيكبر همه، ويصبح عاجزًا عن تصديق كل الأشياء والأحداث التي يمر بها

لقد كان يرى فيها الخلاص الوحيد الذي سيخلصه من أمه ومن حياة الوضاعة التي يعيشها منذ مدة، لكنه ولسوء الحظ، فقد وجد نفسه وأخوه التوأم يحبان الفتاة نفسها، والتي ورد ذكر اسمها “شامة”، هذه الفتاة التي لم تكن تدرك معنى الحب، ولا تريد الخوض فيه أبدا، هي فتاة خلقت من أجل الليالي الحمراء والجنس، ومع ذلك ظلت توهم التوأمان بحب لا وجود له، ما زاد الأمور تعقيدًا بالنسبة للقاتل وولد لديه عقدًا نفسية، الأم غير مثالية، حبيبة القلب عاهرة ترفض أن تحبه أو لنقل توهمه وتذهب مع غيره.

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى