ثقافة و فنون

حسن سبانخ ومن حوله!

في فيلم “الأڤوكاتو”، الذي عُرض عام 1983، يشعر المتفرج أنه ربما كانت تلك مرة من المرات النادرة التي يترك فيها الفنان، “عادل إمام”، نفسه لتوجيهات المخرج “رأفت الميهي” الفنية ( وهو أيضا كاتب قصة وسيناريو وحوار الفيلم) دون أن يتدخل في أي شيء، ولذلك جاءت النتيجة بالشكل الذي شاهدناه جميعا.. فيلم كوميدي من الطراز الأول، يحمل رسالة سياسية واجتماعية مهمة.

في الحقيقة لا أعرف كيف وافقت الرقابة المصرية على الفيلم، ولا شك أن كاتبه ومخرجه واجه صعوبات كثيرة حتى يقوم بتمريره، وحتى عندما نجح في ذلك فإنه لم يسلم من الملاحقات القضائية من نقابة المحامين وأعضائها، الذين رأوا أنه فيلم “يسيء” لمهنتهم، سواء طريقة تناوله لأسلوب عمل المحامي “حسن عبد الرحيم”، بل وحتى اسم شهرته (“سبانخ”)، الذي يحمل سخرية واستهزاءا واضحين، سواء من صاحبه أو من طريقة أدائه لمهنته، لكن كل ذلك تم تحاوزه، بمرور الزمن، وظل الفيلم وسيظل واحدا من أجمل الأفلام التي تم إنتاجها.

لكن للأسف لم يكرر “عامل إمام” التجربة مرة أخرى مع “رأفت الميهي”، ربما لأنه -كنجم شباك- له حساباته المختلفة والخاصة به، خاصة وأنه بالطبع تعرض لكثير من النقد بسبب دوره ذلك، فعلى الرغم من أنه كان في كامل “لياقته” الفنية من أول الفيلم لآخره، إلا أنه كان بالتأكيد دور جديد تماما عليه، بعكس ما اعتاد على تقديمه سابقا، ف”عادل إمام” له “خلطة” وتركيبة يتميز بها، بغض النظر عن قبولنا لها أو رفضها، مع العلم أنه عاد بعد ذلك بسنوات (في سلسلة أفلامه التي كتبها له “وحيد حامد” وأخرجها “شريف عرفة” في التسعينيات) للأدوار ذات الطبيعة السياسية والاجتماعية، إلا أن ذلك كان -بشكل أو بآخر- بمشاركته في صناعة الفيلم، وهو ما لا نشعر به في فيلم “الأڤوكاتو” بصفة خاصة.

الفيلم، الذي كتبه وأخرجه “رأفت الميهي”، يدور حول شخصية المحامي “حسن سبانخ” الذي يُطوّع القانون لخدمة مصلحته ومصلحة موكليه، لكنه في نفس الوقت ليس فاسدا أو منحرفا بالشكل المعروف أو المطلق، بل كان “يلعب” في ساحته الخاصة، فهو “محشور” بين السلطة الغاشمة (كما مثلها “سليم أبو زيد”) وبين الفساد المتوحش (كما مثله “حسونة محرم”) وهنا -وبسبب تمكنه من مهنته ودراسته لثغراتها القانونية يحاول أن يستفيد من التناقض بينهما على كل المستويات، بل ويُزيد منه، لأنه يعرف تمام المعرفة أنه لو تلاقيا واتفقا فإن ذلك التلاقي والاتفاق سوف يكون على حسابه، وهو ما تحقق، أو كاد، في نهاية الفيلم، ولولا ذكائه وحيله التي لا تنتهي لظل في السجن طيلة عمره.

ولا نستطيع إغفال طرف رابع في تلك المعادلة، وهو طرف السلطة التنفيذية (كما قدمه الشاويش “عبد الجبار”) الذي يضع نفسه في خدمة الجميع بإخلاص وولاء تام، دون شعور بالذنب أو حتى بالتناقض، ففي ذلك مصلحته الشخصية أيضا، وإن الأمر برمته غير قابل للتصديق، فالسلطة هي التي تضع الجميع في خدمتها وليس العكس، ومن هنا تأتي مفارقة الفيلم الكبرى، فمن الممكن أن يقوم طرف “ضعيف” باستغلال الأطراف الأقوى منه لمصلحته ويحقق مكاسب كبيرة جدا، ولكن بشرط أن يكون أذكى وأقدر، ويمتلك الإمكانيات المشروعة وغير المشروعة، وأن يستخدمها بذكاء منذ بداية اللعبة وحتى نهايتها.

طبعا هناك أطراف أخرى (كما مثلتها “عطية” زوجة حسن سبانخ وأختها وزوج أختها) لكنها أطراف مغلوبة على أمرها، لا حول لها ولا قوة، فهي مجرد أدوات يتم استخدامها حسب الحاجة، ولدور محدود ومحدد ولفترة قصيرة، فهي في الأساس لا تفهم قواعد اللعبة، ولا تملك القدرة على التخطيط، وكل أملها وقمة سعادتها أن تمارس “حياتها الطبيعية” باعتبار أن ذلك هو الشيء الوحيد المتبقي لها!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق