ثقافة و فنون

حسن الجندي .. أدب رعب قائم بذاته

برع الأدباء العالميون في روايات الغموض والفانتازيا التاريخية براعةً جعلت القراء يتعلقون بشخصيات ك “فرودو” و “هاري بوتر”، واستطاعت روايات مثل “هاري بوتر” أن تحقق أكبر المبيعات على الإطلاق، ويكفي أن نشير هنا إلى أن أحد أجزاء رواية هاري بوتر وصل إلى اثنا عشر مليون نسخة مباعة، فأصبحت ج.ك . راولينغ واحدة من أشهر وأغنى الكاتبات في العالم، فهل استطاع روائيونا وروائياتنا أن يبدعوا في مستوى أدب تخيلي مكن رواياتهم من أن تحظى بقبول جماهيري كبير؟ وهل وصلت الكتابات العربية في مجال الرعب والتشويق مستوى يعتد به أدبيا؟

أدب الرعب

أدب الرعب عمومًا هو ذلك الإبداع الكتابي الذي يُبنى على حكايات تخيلية تثير الذعر والأحاسيس المرتبطة بالخوف لدى القارئ، وتبنى حبكته على القتل بوحشية واستحضار أساطير مرعبة خلدها التاريخ البشري كالعفاريت والأشباح والحيوانات المفترسة، وتكون عقدته دائماً مرتبطة بقتل وقتلة، وخصصت له السينما العالمية شركات خاصة لإنتاج أفلام الرعب، وأصبح الرعب صنفًا منفردًا فيها.

أدب الرعب التخيلي عند العرب

ربما كانت روايات الرعب عالميًا سابقة بسنوات طويلة عن نظيرتها العربية، غير أن الإبداع العربي في هذا المجال رغم أنه تأخر كثيرًا، ولم يخرج للوجود إلا عند اقتراب انقضاء العقد الأول من هذه الألفية التي نعيش فيها، إلا أنه ظهر بشكل رائع جدًا مثلما نجد في رواية “فرانكشستاين في بغداد” وثلاثية “مخطوطة ابن اسحاق” و “ايكاروس”، وهي أعمال رعب لقيت قبولًا واهتمامًا غير متوقعين من قبل القراء.

حسن الجندي: أدب رعب قائم بذاته

مادام الحديث عن روايات الرعب والغموض، فلابد وأن يذهب جزء كبير من كلامنا هذا لأفضل كاتب روايات رعب في عالمنا العربي، والحديث هنا عن حسن الجندي، الروائي المصري الذي استطاع أن يجعل أدب الرعب بفضل أعماله أدبًا قائمًا بذاته ولذاته، وحسن الجندي كاتب وروائي مصري من جيل الشباب، أثرت أعماله تأثيرًا بالغًا في الشباب العربي، ولقيت مؤلفاته متابعة جماهيرية منقطعة النظير، خاصةً ثلاثية “مخطوطة ابن اسحاق”، والتي تجاوز عدد قراءها عبر شبكة الانترنت 100 ألف قارئ، حوّل حسن الجندي الجن والعفاريت والمخطوطات والقتلة إلى عالم يتحرك داخل رواياته بأسلوب فائق الروعة، وحبكة أدبية تفاجئ القراء دائمًا، فصنع بذلك شهرة جعلته يعتبر عند أغلب القراء العرب أفضل من كتب في أدب الرعب.

ثلاثية مخطوطة ابن اسحاق: رواية بمواصفات عالمية

هي ثلاثية أدبية ضمن روايات الرعب لكاتبها حسن الجندي، وهي “مدينة الموتى” و”المرتد” والعائد”، الجزء الأول من الثلاثية أي “مدينة الموتى” يتحدث عن عالم الجن وأسراره، فتبتدئ الرواية بعثور بطلها على مخطوطة قديمة فتبدأ عملية البحث عن أصلها، وهكذا تبتدأ سلسلة من الأحداث المرعبة التي يتمازج فيها السرد بالحقائق التاريخية والخيال المرتبطة بعالم البشر، وهو ما أدى بقراء كثر إلى الاعتقاد أن شخصيات الرواية هي شخصيات حقيقية.

أما الجزء الثاني وهو “المرتد”، فستمر الرواية من حيث انتهت سابقتها، غير أن هذا الجزء تعرض فيه الأحداث انتقال من عالم الإنسان إلى عالم الجن، فتتناول الرواية الصراع بين الإنس والجن من ناحية، وبين الجن والجن من جهة أخرى، كما أنها تتحدث عن معاهدات تعقد بين الأطراف المختلفة، ولم يخل هذا الجزء هو الآخر من أحداث مرعبة ومشوقة وقتل.

فيما أتى الجزء الثالث والأخير “العائد”، ليفك جميع ألغاز الجزئين السابقين، فيصنع الكاتب عالمًا جديدًا غير معروف فيه تنتهي أحداث الرواية، وينتهي الصراع في هذا الجزء بين جميع الأطراف المتصارعة. وقد امتازت الثلاثية عمومًا بأسلوبها المشوق، واعتماد الكاتب على أبطال ثابتين على طول السلسلة، مع تغيير دور البطولة في كل جزء، كما أن كل جزء من الثلاثية عرف ظهور بطل جديد وشخصيات رئيسية جديدة.

نصف ميت: الرعب والقضايا الواقعية

رواية نصف ميت من أكثر الروايات التي اعتمدت على نقل قضايا حقيقية يتفادى الكتاب والروائيون الحديث عنها، غير أن حسن الجندي طرحها مرتبطة بعالم القدرات الخاصة والماورائيات، فالرواية تتحدث عن شاب خريج جامعي يمتاز بالقدرة في التحكم في أدمغة البشر عبر الدخول إليها والتأثير عليها، يلقى الشاب حتفه في حادث حافلة مع جميع ركابها باستثناء شاب آخر كان معه في الحافلة وهو الذي سميت عليه الرواية، لأنه يعود للحياة كونه لم يمت بعد ويخرج من داخل قبره، الرواية تناولت القضايا الثلاث التالية : المتاجرة بالأموات وبيع الجثث، تجارة الأعضاء البشرية، الإجرام في الحارات والأحياء، كما أن الرواية من داخلها هي تعود لنقل أحداث رواية كاتبها بطل العمل فتحدث له نفس الأحداث التي حدثت في الرواية التي كتبها بحذافيرها.

الجزار .. أدب رعب وغموض وتحقيق

الجزار رواية تشويقية وانتاقية تجعل القارئ مرتبطًا بأحداثها، وهي تتحدث عن رجل متزوج تقبض عليه الشرطة الجنائية عن قصد لتلفق له تهمة مجرم عجزت عن القبض عليه، فقط لتشابه الأسماء بينهما، وقد قبض عليه مع زوجته بينما بقي ابنهما الرضيع في الشقة التي يسكنانها، قضى بطل الرواية ليلة تحت التعذيب من قبل الضباط الذين قبضوا عليه، بل وقاموا باغتصاب زوجته أمام عينيه، ماتت زوجة البطل كما أنه حينما أطلق سراحه وعاد لشقته وجد ابنه الرضيع ميتا، يختفي البطل زمنا، ثم يعود ليقتل الضباط الذين سببوا له المأساة واحدا تلو الآخر، بني العمل على حبكة روائية مشوقة جدًا، وكانت تيمته الانتقام تحقيقًا للعدالة.

قد يكون الغرب نجح في أن يصل بأدب الخيال والتخيل الفانتازي من خلال أعمال ك “سيد الخواتم” و”الهوبيت” إلى مصاف النجاح والرقي، غير أن مبدعين عرب كحسن الجندي استطاعوا أن يجعلوا أدب الرعب بالصيغة العربية، أدبًا لا يمر عليه مرور الكرام.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

هشام بوطيب

هشام بوطيب مغربي الجنسية، كاتب روايات وقصص صاعد. معد سكريبت برامج مصورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق