سياسة وتاريخ

حزب الله 2020-2040 راحة، حصاد وإدارة

نشرت جريدة “النهار” قديمًا مقالة بقلم أحد الخبراء الدستوريين اللبنانيين حول فلسفة العمل والتخطيط طويل الأمد في الاتحاد الأوروبي. فكرة واحدة فقط علقت في ذهني: الاتحاد، يقول الكاتب، يقسم عمله إلى مرحلتين عشريتين (أي مدة كل منهما عشر سنوات). المرحلة الأولى مرحلة تخطيط ووضع سياسات عامة وتنفيذ على المستويات كافة. المرحلة الثانية مرحلة راحة وحصاد وإدارة لما تم تحقيقه من إنجازات، بالمعنى الواسع للإدارة الذي يشمل المراقبة والمحاسبة والتحضير للعشرية القادمة. وهكذا دواليك. 

أحاجج، تحليلًا لا جزمًا مبنيًا على “معطيات” (كما هو شائع عند مروحة واسعة من المحللين السياسيين التلفزيونيين)، أن مثال الاتحاد الأوروبي أعلاه يصلح مقياسًا لتحديد وتبيان تموقع حزب الله في لبنان اليوم. سأشرح ما أرمي إليه بعجالة. 

يمكن القول إن الحزب، كالاتحاد الأوروبي، قد دخل في طور تقسيم عمله طويل الأمد إلى مرحلتين متساويتين من حيث عدد السنوات. (أسئلة الماهية – هل هو تقسيم عن سابق تصور وتصميم أم نتيجة لمتغيرات أجبرت الحزب على العمل بهذه الطريقة؟ – شرعية، ولكن لا مجال لطرحها هنا.) المرحلة الأولى امتدت من عام 2000 حتى2020، وكانت مرحلة تخطيط وتنفيذ وتأسيس لشرعية داخلية وتحقيق لإنجازات عسكرية وسياسية وجيو-استراتيجية. الشواهد على هذه المرحلة كثيرة، من الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في أيار 2000 إلى حرب تموز 2006 وبعدها حقبة الانخراط الرسمي المباشر في تكوين السلطات وصنع القرارين الداخلي والخارجي للدولة.

أما المرحلة الثانية، فهي في اعتقادي ما نشهده اليوم. عشرينية الحزب التالية، من عام 2020 إلى عام 2040، ستكون عشرينية راحة وحصاد وإدارة لكل ما سبق من إنجازات. نعم، الحزب (وخلفه الراعي والممول) لا يعتبر أن الراحة عليه حرام. شأنه في ذلك شأن كل الأحزاب والحركات ما-دون-الدولتية في العالم التي تعلم جيدا قيمة “أخذ النفس” (recharging، في الأجنبية). والشواهد هنا أيضا كثيرة. أذكر منها: أولا، التزامه قواعد اشتباك حربي واضحة المعالم مع الكيان الصهيوني (واستبعاده إمكانية اندلاع حرب جديدة)؛ ثانيًا، اهتماماته المستجدة بالإطار العام للسياسة الإقتصادية اللبنانية وسعيه إلى تثبيت قواعد اشتباك اقتصادي واضحة المعالم مع الكيان الصهيوني – مفاوضات ترسيم الحدود البحرية ليست سوى الخطوة الأولى؛ ثالثا، إعادة تموضعه في سوريا وانسحابه من بعض ساحات القتال الإقليمية؛ ورابعا، بعض (ليس كل) مواقفه التي تظهر تمايزا مدروسا (وربما متفقًا عليه مسبقًا) عن القيادة الإيرانية، كتصريح أمينه العام بأن حزب الله غير معني بالرد على عملية اغتيال فخري-زاده، أهم وأبرز العلماء النوويين الإيرانيين. 

إنما الشاهد الأهم على ولوج حزب الله عشرينية الراحة هذه يكمن في تصديه، سرًا وعلانية، لمفاعيل ثورة السابع عشر من تشرين الإصلاحية. فالثورة قد أخذته على حين غرة. بينما كان يهم بالارتياح والتفرغ للحصاد والإدارة وتمكين هيمنته شبه الشاملة على الداخل، بالتعاون مع الحلفاء والخصوم معًا، طالعته جموع غفيرة من كل حدب وصوب تتحدى الموروث، بكل ألوانه ولأول مرة منذ ما يزيد على مئتي عام، وتدعو إلى منظومة قيمية مدنية (و/أو علمانية) وعقد اجتماعي جديد يقوم على مبادئ المواطنة الحديثة. 

هذا لا يعني البتة أن الحزب لا يبارك مطالب الثورة (أقله المعيشي منها) أو أنه لا يرغب حقًا في إزاحة بعض الفرقاء، حتى في صفوف أولئك المحسوبين عليه. ولكنه، وبحسبة منطقية شديدة البساطة، يفضل التعامل مع شياطين يعرفها جيدًا (أحزاب النظام الرسمي اللبناني وأوليغارشية المصارف) على التعامل مع شياطين لا يعرف أصلها ولا فصلها (القوى المدنية الثائرة). لسان حاله هو: آسف، ليس الآن وأنا في وقت راحتي (اقرأ: تثبيتي لهيمنتي وعملي على تحصين الإنجازات وزيادة المكتسبات ضمن النظام القائم، أو عبر ابتداع قواعد تحاصصية جديدة، أكثر “عصرية”). لاحظ معي، على سبيل المثال، استعاضة الحزب مؤخرًا بخطاب “وحدة المعايير” عن خطاب “الحاجة إلى مؤتمر تأسيسي” لإعادة البناء. 

تبقى في النهاية الإشارة إلى ملاحظة هامة على سبيل القياس بين حزب الله والاتحاد الأوروبي. فمن المعلوم أن الأخير يستبق عشريته الترويحية بإطلاق ورشة مراجعة ذاتية شاملة. هل باستطاعة حزب  الله القيام بالشيء نفسه، وقد دخل (أو استدخل) في الراحة؟ هل لديه الجرأة ليحاسب الذات ويراجع المسيرة ويتراجع، إن اقتضى الأمر، عن مرتكبات ونوايا حاضرة؟  

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى