ثقافة و فنون

حرية حزينة جدًا

ظلت رواية حرية حزينة للكاتبة النمساوية “فريدريكه فيزجاينر”، والتي صدرت طبعتها العربية هذا العام عن دار العربي للنشر والتوزيع في القاهرة، بترجمة للأستاذ “هارون سليمان، ضمن قائمة المؤجلات عندي لفترة طويلة. في الحقيقة لا أعرف سببًا لذلك، ربما عنوانها الذي قد يوحي بشكلٍ ما عن مضمونها، أو ربما لأنني كنت قرأت تعليقًا لكاتبة صحفية مصرية عنها، ولم يكن إلى حد ما مُبشرًا!

وما أن انتهيت من قراءتها، وجدت نفسي بين شعورين متناقضين، الأول هو الحزن على مصير “هانا” (والذي لم يتضح بصورة جليّة في نهاية الرواية) ومهما يكن فإنها لا تستحقه، أو هكذا يتمنى القارىء، أما الشعور الثاني فهو أن الرواية – بعيدًا عن “هانا” ومأساتها – تطرح أسئلة كبرى عن زمننا هذا، وطبيعة العلاقات فيه، وكثير من المفاهيم الأخرى التي يظن المرء أنها لم تعد في حاجة للنقاش والجدل، لأنها – في رأي الكثيرين – أصبحت محسومة للأبد.

قد تبدو القضية التي تعرضها الرواية للقارىء واضحة ومحددة كما تظهر من عنوانها: حرية حزينة، لكن بقليل من التأمل تظهر القضية أكبر وأخطر، فهي ليست بالضبط مدى حرية الفرد في المجتمعات الحديثة، وحرية اختياراته الشخصية على حساب نفسه ومن حوله، بل هي المفاهيم التي قادت لترسيخ مفهوم “الحرية” بذلك الشكل “الأناني” في أذهان أجيال وأجيال متعاقبة، تقريبًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

إن الطموح لبناء مستقبل لأي فرد هو حق مشروع ومعترف به ولا جدال في ذلك أبدًا، لكن تبدأ المشكلة الكبرى عندما يعتقد البعض أن ذلك المستقبل يمكن أن يقوم بالانفصال أو الهرب من الماضي والحاضر، فهذا ما فعلته “هانا” بالضبط، حيث تترك حبيبها وبلدها لتذهب إلى برلين في دورة تدريبية صحفية، وهي تعوّل عليها بشكل مبالغ فيه، لكن عندما تذهب إلى هناك وتنتهي الدورة التدريبية تجد نفسها وحيدة، بائسة وضائعة بشكل كامل، ومع فشلها المتكرر في الحصول على ما تتمناه، ومع عدم رغبتها في الاعتراف بالفشل، تقبل العمل كنادلة في مقهى بسيط، ورغم أنها لا تزال مُصرة على الجري وراء حلمها، إلا أنها لا تدرك إلا في وقت متأخر جدًا، أنها تطارد سراب.

إنني لا أريد أن أكون قاسيًا أو حتى رجعيًا في تقييمي لحلم “هانا” وما فعلته من أجل تحقيقه، فأنا متعاطف معها جدا، وطول الوقت تمنيت لو أنها استطاعت تحقيق كل ما حلمت به، على الأقل سوف يكون ذلك انتصارا مُلهمًا، ولكن للأسف – حتى في الروايات – لا تتحقق رغبات الأبطال.. ولا حتى القرّاء.

منذ سنوات قرأت تعليقًا للمفكر الكبير الراحل عبد الوهاب المسيري، عن التطورات الكبيرة والخطيرة التي نعيشها، حيث يقول بأننا انتقلنا من “العولمة الجزئية” والتي تعني كما يقال فصل الدين عن الدولة إلى ما أسماه ب”العلمانية الشاملة”، والتي لخصها – ساخرًا – أنها (ليس مهمًا سلوكك في السرير ولكن المهم هو سلوكك في طابور السوبر ماركت).

هذا التحول الذي قد يبدو وأنه تقديرًا للحرية الشخصية لأعلى مستوى وصلت إليه المجتمعات الأكثر حداثة وتطور، ما هو إلا بمثابة انفراط وتدهور في مستوى العلاقات الإنسانية لأنه يُعلّي من “الأنا” بشكل مرضي.

مرة أخرى أُعلن تعاطفي الكامل مع “هانا” لأنه في حقيقته تعاطفًا مع نفسي، وكل ما أتمناه أن تصل رسالة “حرية هانا


الحزينة” لأكبر عدد ممكن من البشر على هذا الكوكب!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق