سياسة وتاريخ

حروب الوكالة: العراق ذاهبة بخطى حثيثة إلى الغليان

على مر الأزمان والعصور كانت الإنسانية تتصارع على نيل المكاسب والثروات لإشباع رغباتها وطموحاتها، لهذا نجد في التاريخ الكثير من الأمم والقوميات والشعوب تحولت إلى إمبراطوريات توسعت واستعمرت وابتلعت غيرها من الأمم الأضعف منها قوة، وكذلك صار الوضع في العراق متدهورًا من حال إلى حال.

وكانت القوى العالمية في السابق، تسيطر على إرادة الشعوب المهزومة إما بالحرب والاقتتال، أو بالتسوية السياسية واستخدام الضغوطات والتخويف والترغيب معاً لصناعة قيادات عميلة تبحث عن بقائها في السلطة على حساب شعوبها التي تدفع ما عليها من إتاوات إلى تلك القوى المستعمرة.

وكما يقال فإن دوام الحال من المحال، ولابد للإمبراطوريات من الضعف والتشتت وفقدان السيطرة، ولابد من وجود قوى أخرى ترصد الساعة المناسبة للانقضاض عليها وإزاحتها عن كرسي المجد والتسلط على العالم الإنساني. ولكن سياسات العالم الحديثة اختلفت بعض الشيء عما كانت عليه سابقاً، فبعد حماقات الدول العظمى في الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهاء سلطة وسيطرة الدولة العثمانية على العالم العربي، وجدت القوى التي أعادت لنفسها كرسي التسلط على العالم من خلال تقسيمه إلى حصص وزعوها فيما بينهم، لتعود إلى الواجهة بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا، لتحتل الدول وتفرض إرادتها عليهم، ولكن هذا لا يعني أن الأطماع ستتوقف عند حد ما، حتى أعلنت الحرب العالمية الثانية انطلاق وحش جديد يرغب في التربع على كرسي التسلط العالمي.

انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة دول المحور، وانطفت أنوار مراكبهم التي ابتلعتها حمم الموت والدمار، ليستيقظ العالم على خبر بزوغ إمبراطوريتين جديدتين على الساحة العالمية، الاتحاد السوفيتي شرقاً، والولايات المتحدة الأمريكية غرباً، محور يمثل الاشتراكية، والآخر يمثل الرأسمالية، ومن حينها بدأت الحرب الباردة بينهما، وبين أنصارهما، حاولتا التوسع العسكري، ولكنهما هزمتا شر هزيمة، فكانت أفغانستان مقبرة للجيش الأحمر، وكانت فيتنام جحيماً للمارينز، وكلاهما دعما من تحت الطاولة أعداء بعضهما البعض، ولكن أمريكا ومن خلال اقتصادها الكبير، استطاعت أن تحجّم من إمكانيات الاتحاد السوفيتي ومن ثم إسقاطه من دون تدخل عسكري، واعتمدت التلاعب بشخصية رئيسه آنذاك جوزيف غورباتشوف، لتجلس أمريكا وحيدة تهيمن على العالم.

دفع فشل الولايات المتحدة في خوض الحرب على فيتنام، إلى إعادة التفكير في صناعة الحروب بالوكالة، وانتهاز الفرصة بعد الضعف بالدخول الى تلك الدول بصفة المحرر لا المحتل، ومن ضمن سيناريو أمريكا في التحكم بالعالم هو صناعة العصابات التكفيرية، ولا مكان لها أفضل من أفغانستان، لتصنع من بعبع تنظيم القاعدة قاعدة للنيل من العالم ومن ثم لتأزم الوضع في العراق وسوريا وليبيا.

وفي ذلك الحين، بقى تنظيم القاعدة على دكة الاحتياط خلال نهايات القرن المنصرم، ودخلت العالم في حروب هنا وهناك، فلم تسلم من حروبها آسيا أو أفريقيا أو أوروبا أو أمريكا اللاتينية، حتى وصلت لمرحلة الحاجة إلى عذر شرعي عالمي يتيح لها فرصة التربع في الشرق وبناء قواعدها وأخذ موقع متقدم للدفاع عن نفسها إذا ما جاءت مرحلة الانتقام ومحاولة الدول الأخرى مواجهتها عسكرياً، فكان للعراق الحصة الأكبر من هذه الخطة.

ومارس نظام حزب البعث المهزوم في العراق، بزعامة الرئيس الراحل صدام حسين، حماقته في دخول الكويت وإعطاء الضوء الأخضر لأمريكا بالدخول إلى شبه الجزيرة العربية، والسيطرة على الأرض والبحر والسماء، علناً ونهاراً جهاراً.

وبعد أكثر من عشرة سنوات، وجدت العراق نفسها أمام منافسين جدد، يحاولون تقويض عملياتها في التوسع، لتقع بين فكي جبهتين تحاولان السيطرة على العالم، ولكن هذه المرة أعداء أمريكا أكثر، فروسيا والصين وكوريا وذراعهم إيران لم يعودوا تلك القوى الساكنة، بل إنهم ظهروا بشكل واضح معلنين وقوفهم أمام أمريكا وسياساتها، ورغم أن السياسة عبارة عن ممارسة للدعارة، إلا أن المطامع لا تبقي صديقاً ولا حليفاً، وهذا حال سوريا وليبيا واليمن أيضاً، وحال باقي الدول الأخرى إذا ما اقتضت المصلحة بإدخالها في هذه الدوامة.

وخلف كل هؤلاء الأعداء الظاهرين، هناك أعداء لأمريكا يخفون أضغانهم التي تجبرها واشنطن عليهم بغرض إذلالهم ليكونوا كما تريد، وهم يتنازلون عن قيمهم وأعرافهم ومبادئهم في سبيل عدم مواجهة غضب أمريكا عليهم، كل هؤلاء الأعداء وتضارب المصالح العالمية جعل الأمر يزداد سخونة يوماً بعد يوم، وأبواق الحرب العالمية الجديدة على الأبواب بانتظار ساعة الغليان التي ستذل الأعزاء وتعز الأذلاء، ليعاد كتابة التاريخ بأقلام الدول المنتصرة.

ويزداد الوضع في العراق تأزمًا بشكل خاص، ودول العالم العربي بشكل عام، والتي ستكون ممراً لجميع هذه المواجهات كما كان سابقاً في مواجهات الماضي البعيد والقريب، فمن لم يقتحم أرض العراق؟ هولاكو، الخروف الأبيض والأسود، السلاجقة، البويهيون، المماليك، الصفيون، العثمانيون، الألمان، الإنكليز، الأمريكان؟! كلهم داسوا أرض العراق بين فاتح ومحتل، ولكنهم رحلوا ولم يكتب لهم البقاء، والأمريكان على أبواب الهزيمة، لأن هذه هي سنة الحياة، لن تبقى أمريكا عظيمة إلى الأبد، ولابد لسياستها أن تخطو نحو الوادي السحيق.

العرب والعراقيون أمام فتنة جديدة وعليهم أن يخوضوها بتعقل أكبر، لأنهم في كل مرة يسقطون في شر تلك الفتن، وبعدها يندمون لأنهم لم يتريثوا في اندفاعهم العاطفي الأعمى نحو هاوية التفرقة والاقتتال والتمييز.

واليوم ابتلعت العراق الطعم، فلم يعد للخلافات الطائفية بين السنة والشيعة حاجة كبيرة في هذه المرحلة، وإنما الحاجة إلى تمييز الصفوف مَن مع إيران ومَن مع أمريكا، فلم يعد الشارع العراقي كما كان، فليس كل الشيعة يوالون إيران وحلفائها، ولا كل السنة يوالون أمريكا وحلفائها، ناهيك عن وجود عنصر متمرد على الساحة وهم الأتراك.

وللأتراك أيضًا مآرب في توسعة نفوذهم في العالم، فهم كالبهلوان، يقفز ويرقص على الحبال، الأمر الذي  يفعله الأكراد، فلا جهة واضحة ينتمي إليها، ولا جبهة مستقرة يقاتل فيها، ولهذا فإن الدول المتنازعة وضعت لمساتها السابقة للحرب الكبرى وجهزت المناخ المناسب في المناطق الجغرافية التي ستشهد فيها المعارك، ولم نعد نتحمل أن نكون قطعاً من الشطرنج يحركوننا، ومخالفة ذلك تحتاج إلى وعي في طريقة تعاملنا مع مجريات الأحداث، حتى لا نقاتل بعضنا نيابةً عن الآخرين، ولا نترك أنفسنا مجهولي المصير، نحن نحتاج إلى بُعد النظر وقوة التركيز والتمييز، وعلينا أن نبحث عن مصالحنا للبقاء كما يفعل الآخرون.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نجم الجزائري

نجم عبد الودود الجزائري، ولدت في العراق في محافظة البصرة عام 1980، من ابوين عراقيين، حصلت على شهادة الدبلوم في تقنيات الهندسة المدنية عام 2000، وفي عام 2007 حصلت على شهادة البكالوريوس في ادارة الاعمال من جامعة البصرة، وظفت في جامعة البصرة وما زلت اعمل فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق