سياسة وتاريخ

حركة النهضة التونسية.. تقدم أم انتحار؟!

ضريبة الوصول
في أعقاب سقوط نظام بن علي في تونس، وصعود حركة النهضة الإسلامية بعد سنوات من الاضطهاد والتهميش، حاولت الحركة التكيُّف مع الأوضاع الجديدة، ووضعت نصب أعينها ترسيخ وجودها في الحكم، وما تبع ذلك من تحولاتٍ جذرية في خياراتها ومساراتها، قد تُفضي في نهاية المطاف إلى تلاشي حركة النهضة كحركة من حركات الإسلام السياسي.
تلك التغيرات التي أصابت الحركة لم تكن مفاجئة في حقيقة الأمر بعد وصولها إلى سدة الحكم، بل كانت موجودة وتحدث بشكل طفيف منذ تأسيس الحركة عام 1981، ولكنها أصبحت بارزة بشكل كبير بعد ثورات الربيع العربي.

الأساس الهش

ظهرت حركة النهضة في أواخر الستينات، مثلها مثل غيرها من الحركات الإسلامية التي ظهرت في تلك الحقبة؛ كنتيجة طبيعية للهجمة الشرسة على الهوية الإسلامية، ورداً على صعود التيار العلماني الحداثي.

ظهرت الحركة كجماعة إصلاحية ذات توجه إسلامي يصيغ لها رؤيتها الفكرية، ويحدد لها مرجعيتها وهويتها، ومن ناحية أخرى انتمت النهضة لجماعة الإخوان المسلمين في بداياتها، ثم ما لبثت أن تحررت من فكر الجماعة، مشكلةً لنفسها مرجعًا فكريًا آخر خارج النفوذ الفكري للإخوان وسطوتهم.

هذا التحول الفكري، والخروج من عباءة الإخوان المسلمين في بداية الأمر، لم يكن في الحقيقة سوى بداية الطريق للتحرر من العباءة الإسلامية التي ارتدتها الحركة في بداية أمرها، وإن لم يظهر الأمر بشكل جلي منذ البداية.

ففي عام 1988، دعا صالح كركر -أحد مؤسسي الحركة- إلى تشكيل حزب سياسي علماني بالكامل، يهدف إلى إقامة دولة العدل والقانون بعيداً عما يُعرف بدولة الوحي، بالإضافة لذلك فإن مؤسس الحركة الآخر والذي يُعد الأب الروحي لها “راشد الغنوشي” انضم إلى الاتحاد الاشتراكي الناصري في دمشق وكان أحد أعضائه، فضلاً عن أن كل لقاءاته أثناء رحلته (1964-1968)، لم تكن مع الإسلاميين بل كانت مع القوميين والعلمانيين العرب.

كل هذا يجعلنا نتسائل، هل حركة النهضة حركة إسلامية بالفعل؟ أو حتى نستطيع إدراجها ضمن حركات الإسلام السياسي؟ أم أن الخيار الإسلامي كان وليداً لمرحلة ما من عمر الحركة ما لبث وأن انقضت؟ ولاسيما بعد الوثيقة الجديدة التي أصدرتها الحركة عام 2016، والتي تتبني رؤية جديدة كلياً عن الوثيقة الفكرية الأولى لتأسيس الحركة؟

وعندما سُئل رفيق عبدالسلام عضو المكتب التنفيذي للحركة، أجاب “لقد كُتبت هذه المناقشات في سياقات مختلفة، وفي ظل ظروف تحكمها مجموعة مختلفة من القضايا”.

قبل وبعد..

الدعوة والإرشاد

كانت حركة النهضة تضع على قمة أولوياتها منذ تأسيسها عام 1981 وحتى الربيع العربي برامج الدعوة والإرشاد في المقدمة، وترى أن السياسة مجرد إحدى الوسائل لبلوغ الغاية العظمى، وهي الدعوة.

وعندما دعا صالح كركر لإنشاء حزب علماني، برر قوله آن ذاك أنه لتتفرغ الحركة لمهمتها الرئيسية وهي نشر العلم والدعوة، ولكن بعد ثورات الربيع العربي أضحت السياسة هي الهدف المنشود والوحيد لدى الحركة، والتي ضحت في سبيلها بكل ما كانت تتغنى به سابقاً مم الشعارات، والأولويات، والأهداف، والمرجعية، وحتى القيم والمبادئ، وكان ذلك جلياً في  المؤتمر العاشر للحركة عام 2016، والوثيقة التي تمخضت عنه، والمعروفة بعنوان (الرؤية الفكرية والمرجعية النظرية).

الإسلام هو الحل

كان الإسلام كشريعة حاكمة يُعد الإطار الفكري الجامع لرؤية الحركة، وعنه تتمخض أهدافها ومبادئها، فهو المرجعية الحاكمة والتى ما قامت الحركة ولا تأسست إلا بهدف الزود عن حماه.

كانت تلك أفكار الحركة قبل الربيع العربي، ولكن بعده أصبح لها وجهة نظر مختلفة، فالإسلام حالياً مجرد مصدر للقيم والمبادئ، والتي تطمح الحركة لتحقيقها باعتبارها حركة سياسية، وبالطبع تلك القيم والمبادئ التي تقصدها الحركة هي قيم مرنة، كالحرية، والعدل، والمساواة، وغيرها من المبادئ التي تلبس كل ثوب، وتنتمي لكل مرجعية، وخاصة المرجعيات الليبرالية، وتؤول كل تأويل، ولاسيما التآويل الحداثية.

مفهوم الدولة

يُعد مفهوم الدولة ركيزة أساسية للحركات الإسلامية بشكل عام وحركات الإسلام السياسي بوجه خاص، وذلك باعتبار أن الحركات الإسلامية ترى الإسلام كمنهج شمولي للحياة، وأن الدين والدنيا وجهان لعملة واحدة، وأنه لا سبيل لنهضة الأمة وعزتها إلا بدولة إسلامية كما كان في العصور الغابرة ، ولذلك تسعى سعياً حثيثاً لتأسيس تلك الدولة.

وكما هي كل الحركات الإسلامية، كان ذلك هدف حركة النهضة في نسختها القديمة، ولكن بعد ذلك كان لها رأياً آخر.

يقول الغنوشي “الدولة الإسلامية هي الدولة الوطنية التى نعيش فيها، ونعمل فيها، ولسنا ضمن أي مشروع عابر للوطنية”.

يقصد الغنوشي بالدولة الوطنية تلك ما يُطلق عليها في العلوم السياسية (دولة ما بعد الاستعمار)، باعتبارها نتاج الاحتلال بعد تقسيمه للخلافة العثمانية، والتي يراها  المستشرق “د.وائل حلاق” عائقًا أصيلًا لقيام أي دولة إسلامية تحتكم لقواعد التشريع الإسلامي نظراً لبنيتها الوظيفية، ولنشأتها التاريخية، فهذه الدولة لم تؤسس في المقام الأول إلا لخدمة مصالح الاستعمار الأجنبي ومازالت.

إسلام السوق

بعد ثورات الربيع العربي، صدر كتاب هام للباحث “باتريك هايني” يرصد فيه عملية تحديث الإسلام، أو بمعنى أدق تطويع الإسلام ليناسب المبادئ الليبرالية والقيم الحداثية، حتى لا يصادم في نهاية المطاف مصالح ومشاريع الغرب.

من ضمن ما رصده الكتاب، هو عملية علمنة الحركات الإسلامية، حتى يصل الأمر في نهاية المطاف لتبني تلك الحركات كامل المبادئ الحداثية، ولكنها تبقى إسلامية بالاسم فقط.

هذا ما أعلنته حركة النهضة أخيراً قولاً وفعلاً، فقد قبلت بتنحية الشريعة الإسلامية عن الدستور عندما كانت ضمن اللجنة القائمة عليه 2014، وأعلنت قبولها بالخيارات الشعبية أياً كانت ما ترنوا إليه، وتحولت الحركة بالفعل لحزب سياسي محض، تاركةً ورائها كل ما قامت عليه من مبادئ توعية ودعوة وإرشاد، مع فتح الباب للحركة الجماهيرية للانضواء تحت لواء الحزب، مما يعني في المحصلة، ذوبان الحركة في الحزب السياسي ذي المبادئ العلمانية البرغماتية.

كل هذا يجعلنا نطرح تساؤلاً هاماً، هل تخوض حركة النهضة الحراك السياسي برضاء المجتمع الدولي لأن التونسيين أرادوا ذلك؟ أم لأنها خلعت فعلياً الرداء الإسلامي وما يحمله من مصالح تصادم مصالح الغرب الأوروبي بشكل مباشر، فأضحت في المحصلة لا تشكل خطراً عليه؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق