سياسة وتاريخ

حرب اليمن… قصة شعب انهكته صراعات جيرانه على أرضه

اندلعت ثورات ما يسمى بالربيع العربي فثار اليمنيون مع من ثار، وسواء كانت هذه الثورات عفوية نتجت عن الظلم والطغيان، أو كانت موجهة لزيادة ضعف الأمة وتفككها، وكانت هذه الجموع الثائرة أداة لمشروع التفكيك والفوضى، على كل الأحوال فقد خرج كثير من المنيين إلى الميادين ولم يقر لهم قرار حتى أطاحوا بطاغيتهم، ولم يعلم المساكين أن بقاءه كان أخف الضررين وأهون الشرين.

ولأن الهدم أسهل من البناء فقد عجزت تلك الجموع الثائرة عن بناء دولة جديدة متماسكة كما عجز إخوانهم الذين سبقوهم إلى الثورات.

وعندما نجح المحور المضاد للثورات في إجهاض عدد منها، جاء الدور على اليمن وكان الرئيس المخلوع لازال محتفظاً بقوته العسكرية الأكثر تدريبا والأحدث عتادا، والمسماة بالحرس الجمهوري، فأوكل (محور الشر) مهمة إجهاض ثورة اليمن إلى المخلوع، لكنه وبحكم اتفاقية التنازل التي حصنته من المحاسبة لم يكن بمقدوره مباشرة عمل عسكري بقواته، فكان لابد من طرف يشعل فتيل الفتنة، فوقع الاختيار على ميليشيا الحوثي.

ويبدو من سير الأحداث أن المخلوع أقنع دول تلك (المحور) بأنه الأقوى وأن الحوثة سيُستخدمون لإشعال الفتنة ويضرب بهم الإخوان المسلمين (الإصلاح)، فإذا تفانى الإصلاح والحوثة وأُنهكا تدخلت قوات المخلوع للحسم واستلام زمام الحكم.

لكن الأمور لم تسر على ما خطط الداهية المخلوع، فقد انقلب السحر على الساحر، فأظهر الحوثة من القوة والتغلغل في بقايا جيش الدولة ما لم يكن بالحسبان، وتمدد الحوثة في أرجاء اليمن وقتلوا المخلوع بنفسه، وباتوا يهددون الجارة ا للدود ويقضون مضجعها، بل ويوسعونها ضرباً في مقاتلها الاقتصادية، وهي الجارة التي لطالما أرقها شأن اليمن، ولطالما أزعجها قيام يمن قوي متماسك، في عداء متوارث لا مبرر له إلا حقد دفين، تظهر آثاره بين الحين والحين.

ويتمكن غلمان إيران من بسط السيطرة على معظم اليمن أصبحت إيران فجأة جارة جنوبية للشقيقة اللدود، بعد أن ذاقت حر جوارها في الشمال الشرقي (العراق)، فجاءت عاصفة الحزم، واستبشر الناس بها خيراً، وليتها لم تكن، فسرعان ما خوى الحزم وذوى العزم، واستُنفدت خزائن أولي الحزم في حرب من أغبى الحروب، فيه حرب لا يلوح لها في الأفق نهاية، لأنها حرب معقدة الأهداف متشاكسة الشركاء، فهي تريد إضعاف الحوثي مع إبقائه شوكة للإخوان، وهي تخشى إن انهزم الحوثي أن يتمكن الإسلاميون من حكم اليمن، وهو الذي لأجله صُنعت هذه الفتنة.

وبدلاً من أن يقضي الحلفاء على انقلاب الحوثي دعموا انقلاباً آخر في عدن، وبدلاً من أن يوحدوا اليمن كما يظهرون مزقوه إلى ثلاث دول: شرعية (سعودية) وحوثية (إيرانية) وانتقالية (إماراتية).

وبدت مطامع الأشقاء الأثرياء في الشقيق المكلوم  الفقير، فعين الجارة اللدود على منفذ آمن لمصادراتها على بحر العرب مروراً باليمن، مع مآرب أخرى ليس مما يُفصح عنه، أما أخبث الأشقاء وأشقى الحلفاء فقد رضي من الغنيمة بالجنوب، فعينه على الموانئ والجزر لأغراض اقتصادية وعسكرية؛ أصالة عن نفسه أو نيابة عن اليهود، ويظهر من شواهد الحال أن هذا الحليف الغامض الأصل يسعى إلى صناعة تاريخ مزيف من منهوبات مستعمراته الجديد، لا سيما جزيرة سقطرى، وهو في هذا كالدعي الذي يشتري شجرة نسب شريف مما يباع في حسينيات كربلاء والنجف.

وسواء كان الحليفان الغازيان لليمن متفقين على تقاسمه، أو أن الخلاف بينهما قد دب – كعادة السراق عند اقتسام المسروقات-، فالنتجية أن اليمن بعد ست سنوات من الحرب والقصف والتجويع والتشريد والقتل واغتيالات العلماء والدعاة في عدن وغيرها، وسجون التعذيب التي كشفت عن مدى الحقد الذي جاء به الغزاة، وبعدما ذاق اليمنيون مرارة فتن الأشقاء إذا بالجارة للدود تمد للحوثي يد الصلح وتستجدي منه الصفح، لكنه لا زال يأبى ذلك، ويمعنُ في إذلالها وتهديدها في مصدر رفاهها، وما أسهل تهديد أهل الرفاه والبذع، لا سيما حين يكون المهدِد ليس لديه ما يخسره، سوى (زنانبيل) لا قيمة لها إلا خدمة السيد (القنديل)، ومن يدري لعل قلب الحوثي يرق للأشقاء الغزاة ويصالحهم بشروطه التي سيمليها عليهم، فإذا بسنوات الحرب وما أهلكته من الأنفس وما بددته من الأموال، وما شردت وجوعت من الملايين، إذا بذلك كله يذهب سدى، وهكذا يكون سور التدبير وإلا فلا، إلا إن كان تدمير اليمن وتجويع المنيين وتشريدهم هدف بذاته، وهذا لا يستبعد قارىء تاريخ الجوار غير الحميد، مع دولة التوحيد وحامية الدين.

أما الحليف اللقيط، التائة في صحاري التاريخ؛ يبحث فيها عن أحفورة يتعلق بها، أو جد يدعيه، أو تمثال ينتحله، ليضعه بجزار تماثيل بوذا وإخوانه، وقد آثر هذا الشقيق الشقي الانسحاب من اليمن ظهراً، وبقي فيها حقيقة، وإنما أظهر الانسحاب خوفاً من تبعات الملاحقات الدولية، لا سيما المتعلقة بجرائم الحرب، لكنه في الحقيقة لم ينسحب؛ فقد استأجر أولية من المرتزقة، قوامها شباب أغرار أمضهم الفقر، وغرتهم أماني قادتهم، وهذه الألوية تنوب عن الشقيق الماكر في تحقيق مآربه، وإثبات وجوده، ولمَ لا يكون له غلمان في اليمن كما لإيران غلمانها، وباتصال واحد من عاصمة الشر في المنطقة تتحرك ألوية المرتزقة بلباسها المدني أو العسكري – بحسب طبيعة المهمة – لتقبل الأمور رأساً على عقب، ولو اقتضى الأمر طرد الحكومة من مقرها لتلوذ بالفرار براً وبحراً، كما حصل منذ أيام!

وهكذا تكشفت عاصفة الحزم ومقدماتها عن عواصف من المكر والحقد الدفين على اليمن وأهلها، فبدلاً من دعم الأشقاء للحكومة التي أعقبت المخلوع ودعم استقرار اليمن وأمنه، ومد يد العون لأهله، تآمر عليه ومكروا به وأنهكوه وأضعفوا قوته ومهدوا للحوثي الطريق إلى صنعاء وهم اليوم يجنون بعض ما حصدوا، ولعله يأتي اليوم الذي يكال للغادر فيه بصاعه، ويسقى فيه من كأسه وما ذلك على الله بعزيز.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى