ثقافة وفنون

حرب البسوس وأثرُها في أَدبِنا العَرَبيِّ

لقد حظِيَ تراثنا العربي باهتمام الأدباء والباحثين على اختلاف مشاربهم، بيدَ أَّنَّ بعض التراث كان أوفر حظًا من بعضه الآخر في الاهتمام به، وكانت “حرب البسوس” من أكثر الحروب التي نالتْ اهتمامًا كبيرًا، فقد أُفرِدت لها مؤلفات خاصة، اختلفت تلك المؤلفات في طريقة تناولها، ومواطن تركيزها، فبينما تناول بعض الأدباء الحرب كاملةً في عملٍ أدبي، كما فعل عليّ أحمد باكثير في مسرحيته “حرب البسوس”، نجد منهم مَن ركَّز على شخصيةٍ بعينها، فأفرد لها مؤلَّفا يَعرض فيه بطولاتها، وهو ما فعله عدد من الكتاب الذين تناولوا سيرة ” الزير سالم”، أو مَن استلهم حادثةً بعينها وأبدع على غرارها قصيدة تُسلط الضوء على واقع الأمة أكثر ممَّا تسرد أحداث الماضي، وذلك ما فعله الشاعر أَمَل دنقل في قصيدته “لا تصالح”. وفي هذا المقال أتناول حرب البسوس من وجهة تاريخية، ثم أُعرِّج على أبرز الأعمال الأدبية التي تناولتها.

حرب البسوس.. لمحة تاريخية:

لما فضَّ كُليب بن ربيعة جُموع اليمن في “خَزَاز” وهزمهم، اجتمعت عليه معدٌّ كلها، وجعلوا له القيادة عليهم ومنحوه من الطاعة والولاء ما يُمنح الملوك، غير أنَّ كُليب بن ربيعة دخله زهوٌ شديدٌ بنفسه، وبغى على قومه، حتى بلغ من بغيه أنَّه كان يحمي مواقع السحاب فلا يُرعى حماه، وإذا جلس لا يمر أحدٌ بين يديه إجلاله له، ولا تورد الماء إبلُ أحدٍ مع إبله، ولم يجرؤ بكريٌّ ولا تغلبيٌّ أن يُجير رجلاً ولا بَعيرا أو يحمي حمى إلا بأمره، وقد ضُرِب به المثل في العزِةّ، فقيل: أعزُّ مِن كُليبِ بن وائل.
وقد تزوج “كُليبٌّ” جليلة بنت مُرة، وكان لمٌرَّة عشرة بنين أصغرهم جسَّاس، وقد سأل كُليبٌ زوجه يوما: مَن أعزُّ وائل؟ فقالت: أخواي جسَّاس وهمَّام، فتركها وخرج غاضبا، فرأى فصيل ناقة فرماه بقوسه فقتله، وكان هذا الفصيل للبسوس بنت مُنقِذ، وهي خالةٌ لجسَّاس بن مُرَّة، وقد نزلتْ عند ابن أختها جسَّاس، فكانت جارةً لبَني مُرة.
وعلم بنو مُرَّة فسكتوا ولم يحركوا ساكنا، ثمَّ مرَّت إبلُ جساس على كُليب، فرأى فيها ناقة البسوس فغضب؛ لأنَّ جساس أجار دون إذنه، فأمر غلامه برميها، فرماها بالقوس فأصاب ضرعها، فاختلط دمها بلبنها، ولمَّا رأت البسوس ناقتها صاحت: واذلاه، فقال جسَّاس: اسكتي ولك بناقتك ناقة أعظمُ منها، لكن كُليب لم يكتفِ بذلك بل منع بكر عن ماء يُقال له شُبَيث، وماء آخر يُقال له: الأحصُّ، فقتله جسَّاس، أمَّا المهلهل أخو كُليب فقد رثى أخاه في شعره، وأقسم على الثأر له، واستمرت المعارك بين قبيلتي تَغلب وبكر أربعين سنةً، أفنتْ الكثير من رجال القبيلتين، وقُتل فيها همَّام بن مرة وأخوه جسَّاس، وأُسِر المهلهل، ثم حدث الصلح بين القبيلتين.
وقد احتفى الأدباء العرب بحرب البسوس، وضمَّنوها أعمالهم الأدبية، ومن أشهر الأعمال التي تناولت حرب البسوس ثلاثة أعمال هي:
– مسرحية حرب البسوس: علي أحمد باكثير (1910-1969)
كتب ” باكثير” مسرحيته “حرب البسوس” عام 1967م، وتمَّ نشرها عام 1990م، واستطاع توظيف وقائع الحرب ببراعة في تسليط الضوء على قضايا الأمة العربية، ونقد سلبيات المجتمع العربي، فقد اتخذ من مقتل كُليب ومحاولة الثأر، واستمرار مسلسل الثأر أربعين عاما لم يجنِ فيها الطرفان إلا القتل والدمار فرصةً لتسليط الضوء على الصراعات العربية الداخلية، وكيف تُهدر طاقات الأمة، بينما تغفل عن أعدائها الحقيقيين، كما أبدع ” باكثير” في صياغة الأحداث بشكل عصري، إذ سلَّط الضوء على دور العبدين اللذين دُسَّا في القبيلتين من قِبل “مشكم بن سلام” رأس اليهود في خيبر في إشارة منه إلى المؤامرات التي تُحاك ضد الأمة العربية.
– قصيدة لا تصالح: أمل دنقل (194—1983م):
“فنظر “كُليب” حواليه وتحسَّر، وذرف دمعةً وتعبَّر، ورأى عُبيدًا واقفا فقال له: أريد منك يا عبدَ الخير قبل أن تسلبني، أنْ تَسحبني إلى هذه البلاطة القريبة من هذا الغدير؛ لأكتبَ وصيتِي إلى أخي الأمير سالم الزير …………”.
بتلك الكلمات قدَّم الشاعر أمل دنقل لقصيدته “لا تصالح”، مُستلهمًا التراث العربي كعادته، متخذا من حرب “البسوس” ومقتل “كُليب” منطلقا لحديثه، فقد تمثَّل الشاعر مقتل كُليب وكأنه يكتب وصيةً لأخيه، يوصيه بعدم التفريط في ثأره، وألا يقبل الدِّية فيه، فليس كُليب بالرجل الذي يُقدَّر بالمال.
واستطاع أَمَل دُنقل أن يبدع قصيدةً تُعدُّ من أروع ما كُتب في العصر الحديث، فهي تُلقي بظلالها على واقع الأمة العربية وحاضرها أكثر ممَّا تلتفتْ إلى الماضي، فلم تكن حرب السوس في مخيلة شاعرنا إلا أداةً طوَّعها بمهارة وعبقرية فريدة؛ ليُسلط الضوء على واقعنا العربي، ويُبصر الأمة بما يواجهها في حاضرها ومستقبلها من تحديات، فيقول:
لا تُصالحْ
ولو مَنحوكَ الذَّهب
أتُرى حينَ أفقأُ عينيكَ
ثُمَّ أُثبِّتُ جوهرتينِ مكانَهما
هل تَرَى؟
هي أشياءٌ لا تُشتَرى
– سيرة ” الزير سالم”:
تُعدُّ سيرة “الزير سالم” ملحمة من أشهر الملاحم العربية على مرِّ العصور، وقد استقتْ أحداثها وشخصياتها من حرب البسوس، وقد قدَّمت الملحمة “الزير سالم” أو المهلهل في صورة فارسٍ أُسطوريّ، يتصف بالشجاعة والبطولة، وعلى الرغم من لهوه وعشقه للخمر والنساء فلم يتوانَ في الثأر لأخيه، وقد برزتْ خلال سيرة “الزير سالم” قضية الصِّراع على القيادة والزعامة بين القبائل العربية.
وقد كانت سيرة الزير سالم مصدر إلهام لكثير من الكتاب والأدباء الذين تناولوها بصور مختلفة، ومن أشهر تلك المؤلفات: كتاب ” الزير سالم فارس العرب الأسطورة والتاريخ” لأحمد فوزي الشاهيني، وكتاب ” الزير سالم أبو ليلى المهلهل” لشوقي عبد الحكيم، وكتاب: ” الزير سالم البطل بين السيرة والتاريخ والبناء الدرامي” لممدوح عدوان.
ونخلص من هذا إلى أنَّ حرب البسوس قد حظيتْ باهتمام كبير من قِبل الأدباء سواء على مستوى الأدب الرَّسميِّ الفصيح أو الأدب الشعبي، وكان لهذا الاهتمام أسبابُه المنطقية، ولعلَّ أولها سِمة وسجيَّة في الشخصية العربية بصفةٍ عامةٍ، وهي الميلُ إلى قراءة وسماع قصصِ البطولات والمعارك، وهي السِّمةُ نفسها التي جعلت للقصةِ ذيوعًا وانتشارًا في أدبنا العربي، كما أنَّ حرب البسوس قد أُنشِد فيها الكثير من الأشعار؛ ممَّا ساعد على تخليد ذكراها نتيجة الاحتفاء بتلك الأشعار ودراستها.
وثّمَّة عامل آخر ساهم بنصيب كبير في الاهتمام بتلك الحرب، ويتمثل ذلك فيما أظهرته أحداث الحرب من السِّمات العربية التي تُعدُّ موطنا للفخر كرفض الذل والهوان، والدفاع عن الحق، والانتصار للقبيلة، وحماية الجار.
غير أنَّني لا أرى تسمية الحرب بـ “حرب البسوس” أمرًا مقبولا لديَّ؛ فلم يكن قتلُ الناقة مبررًا لنشوب حرب تستمر أربعين سنةً بين قبيلتين كبيرتين كتَغلب وبكر، بينهم صِلات قرابة ومصاهرة؛ بل الأمر – في نظري- أعمق من تلك النظرة السطحية إذ كان لكُليب تاريخ في التعالي عليهم، حتى إنِّه لم يكن لأحدهم أن يُجير رجلاً ولا بَعيرا إلا بأمره، فربما ضاق سادةُ بكر وشبابها بأفعاله، ولكون الشباب أكثر حمَيَّةً واندفاعًا فقتله أحدهم، وربما صراعٌ خفيٌّ على الزعامة، فلِمَ تكون الزعامة لتغلب دون بكر؟!

د. أحمد علوان

دكتور أحمد علوان، دكتوراه في اللغة العربية ( النحو والصرف) محاضر بجامعة عين شمس، ومعد برامج تلفزيونية- ومنسق تربوي بإحدى المدارس الدولية بالقاهرة.

‫2 تعليقات

  1. شكرا على هذه المعلومات الرائعة عن “حرب البسوس” ، أبدعت حقا في كيفية سرد الأحداث بالمختصر مع مراعاة ذكر أهم ما حدث.
    نأمل أن تثرينا بمقالات تاريخية أخرى .
    ملاحظة فقط : أتمنى أن تضع لنا بعض المصادر التي نستطيع من خلالها الإطلاع على التاريخ.
    شكرا جزيلا.

  2. أشكر لكم هذا التعليق الطيب،
    في الحقيقة المصادر التاريخية تتختلف وفقا للأحداث، لكن حرب البسوس على وجه التحديد يمكن الرجوع إليها في المصادر التالية:
    1- الأغاني، أبو الفرج الاصفهاني .
    2– أيام العرب في الجاهلية، محمد أحمد جاد المولى بك، علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة العصرية، بيروت،
    3- بلوغ الأرَب في معرفة أحوال العرب، السيد محمود الألوسي البغدادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى