سياسة و تاريخ

حرب أكتوبر “حكاية شعب” أشعله المعتقد ونصره المفهوم واليقين

بالأمس القريب حلت علينا الذكرى السادسة والأربعين لعبور القوات المصرية قناة السويس وتحطيم أكبر مانع مائي في العالم وهو خط بارليف، هذه الذكرى التي لها رصيد هام في وجدان كل مصري فليس هناك عائلة مصرية إلا ولها مشارك أو شهيد في هزيمة 67 أو نصر 73.

وفي سطورنا هذه لن نتحدث عما حدث من معجزات عسكرية سطرها المصريون بدمائهم ولكن حديثنا سيكون عن حالة المصريين النفسية والمعنوية منذ هزيمة 67 وحتى أكتوبر 73؛ فلقد كانت لهزيمة 67 وقع سيء في نفوس المصريين؛ فهذه البلد التي تمثل فيها مهنة الزراعة الحرفة الرئيسية لسكانها تلك الحرفة التي ارتبطت بالأرض فكانت العلاقة بينهم وبين الأرض علاقة مقدسة يربطها الدم والعرق؛ فالأرض في أبجدياتهم هي العرض فكانت الهزيمة بالنسبة للمصريين كالمغتصب لزوجته والهتك لعرضه وشرفه.

حالة من الإحباط أصابتهم، فإخوتهم قتلوا بدم بارد فلم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم حتى من وقع منهم في الأسر لم ترحمه يد الأعداء؛ مذابح جمعية ارتكبت بحقهم وجثث مثلوا بها وأحياء أهيل عليهم الرمل دون أن رحمة أو شفقة.

فعمت حالة الغضب والسخط البلاد، فكانت السخرية ممن قدر له النجاة والعودة إلى أهله سالما، وقد عبر الفنان محمود ياسين عن هذه الحالة في فيلم “الرصاصة لا تزال في جيبي ” عندما سخر الناس من انسحاب الجنود من سيناء، لكن حالة السخط والغضب هذه لم توصل الناس إلى اليأس بل دفعت إلى المطالبة بضرورة خوض الحرب وتحرير الأرض ورد الاعتبار للوطن؛ فالجامعات كانت شاهدة على الحراك الثوري للمصريين فكان الطلاب يهتفون للشهداء وينادون بتحرير الأرض وفتح باب الجهاد ضد المحتل واستمرت المظاهرات المنادية بتحرير الأرض حتى قبل اشتعال فتيل الحرب بأيام قليلة.

أكتوبر.. حرب مفهوم وعقيدة

هذه الحرب كانت بمثابة الثأر ممن هتك الأرض فالمصريين لم يتعاملوا مع الحرب من منطلق أرض اغتصبها محتل بل تعاملوا معها بمفهوم العرض وهو ما اكسبهم رسوخ العقيدة وقوة الإيمان فالعبور كان بمثابة الهروب من النار إلى الجنة، معركة تشابكت فيها المفاهيم فكان المسلم بجوار المسيحي وكان الصعيدي بجوار البحراوي وكان البدوي بجوار الفلاح فالمفهوم واحد في النهاية، فالأرض هي العرض عند هؤلاء جميعا وقاتل أخي لا يمكن أن أصالحه، فثأرهم واحد وعدوهم واحد ووطنهم واحد.
فلم يخشى أحد منهم الموت؛ لكن خشيته كانت من موت العزة والكرامة وهذا هو الفارق بين 67 و73 فالجندي واحد في الاثنين لكن المفهوم مختلف والعقيدة أصبحت راسخة بعد أن هزتها الهزيمة، فتحية إلى هذه الدماء الذكية التي أروت سيناء بدمائهم، ولهم منا كل الفخر والاعتزاز والتقدير، رحم الله من فارق الحياة منهم وأطال في عمر الباقيين.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق