مدونات

حتى لا نمعن في التشاؤم واليأس

حتى لا نمعن في التشاؤم واليأس

أما لهذا الهوان من آخر؟، هل يوجد بعد هذا السقوط سقوط؟، أم أن العرب والمسلمين الآن في أسفل مستقر يمكن أن تصل إليه أمة من الأمم؟.

هكذا يتساءل السواد الأعظم من المسلمين، على اختلاف قومياتهم وجنسياتهم، وهم يشاهدون زعماء الدول العربية، يعقدون اتفاقيات التطبيع والسلام مع العدو، فتملك اليأس والإحباط قلوبهم، وفقدوا الأمل في أي مخرج من هذا الواقع الأليم. وحتى لا نمعن في التشاؤم واليأس، فإن ما يحدث الآن، قد حدث مثله وأكثر، في عصور وأزمنة مختلفة من تاريخنا القديم والمعاصر، وما زال المؤرخون يروون الحوادث والأخبار التي حدث فيها الصلح والموادعة بين بعض الدول أو الممالك الإسلامية، وبين أعداء الإسلام، وانحيازها إلى معسكر الأعداء، ضد دول وممالك إسلامية أخرى، تدين بدينها وتنطق بلسانها. وليس الصلح والموادعة فقط.

بل تعدى الأمر ذلك إلى الاستنصار بهم في المعارك والصراعات الداخلية، ومن تلك الحوادث على سبيل المثال، أنه وبعدما انفرط عقد الدولة الإسلامية في الأندلس عام 1020م، وبدأ عصر ملوك الطوائف، انقسمت الأندلس إلى أكثر من عشرين إمارة مستقلة، تتناحر فيما بينها، ويعدو بعضها على بعض، مما جعلها محط أطماع الممالك المسيحية في شمال البلاد، وقد وصل الحال بحكام تلك الإمارات إلى أن يدفعوا الجزية للملك ألفونسو السادس، ملك قشتالة، أكبر الممالك المسيحية آنذاك؛ وقد ذكرت المراجع التاريخية أن المعتمد ابن عباد، حاكم مملكة إشبيلية، قد أرسل وزيره أبا بكر بن عمار إلى ألفونسو ملك قشتالة، فعقد معه حلفًا يقضي بتعاون الطرفين على غزو غرناطة، وهي إمارة إسلامية، مقابل أن يدفع المعتمد لألفونسو خمسين ألف دينار، على أن تكون المدينة ذاتها للمعتمد، وأن تكون ذخائر القلعة الحمراء لألفونسو.

كما تذكر المراجع أيضًا، أن ابن عمار ذاته، وبعلم ملكه المعتمد، قد عقد صفقة مع أمير برشلونة، الكونت رامون، وهي إمارة مسيحية، يتعهد فيها رامون بأن يعاون ابن عمار بفرسانه على غزو مرسية، وهي آنذاك إمارة إسلامية تحت حكم أحمد بن الطاهر، مقابل عشرة آلاف مثقال من الذهب، فبعث المعتمد بقواته وعلى رأسها ابن عمار، ولحقت بها قوات برشلونة وعلى رأسها الكونت رامون، وحاصرت القوات المتحالفة مدينة مرسية، ولكن المعتمد تأخر في أداء المال، فاعتقد الكونت رامون أنه قد غرر به، فانفرط عقد التحالف، وأخفقت الحملة في إسقاط مرسية.

وليس بعد ذلك بكثير، وعلى أرض مصر في العام 1168م، تحالف شاور بن مجير السعدي، وزير الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، مع أمالريك، ملك الفرنجة في القدس التي كانت تحت الاحتلال الصليبي حينها، ضد قوات سلطان الشام، نور الدين زنكي، التي كانت تعسكر في الإسكندرية، بقيادة أسد الدين شريكو وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، فاجتمعت القوات الصليبية بقيادة أمالريك مع القوات المصرية بقيادة الوزير شاور، وحاصرت القوات المتحالفة مدينة الإسكندرية قرابة الثلاثة أشهر، ولما أرسل أسد الدين شيركو رسولًا إلى الوزير شاور، يدعوه إلى التحالف ضد القوات الصليبية وطردهم من أرض مصر، قام هذا الأخير بقتل الرسول، وأصر على حلفه مع الصليبيين، بل وتعهد بدفع المال لهم مقابل مشاركتهم معه في الحرب  على القوات الشامية.

ولكن الحصار أخفق أمام صمود أهل الإسكندرية ومن معهم من القوات الشامية، فلقي شاور مصير كل خائن. هذه أمثلة لما حدث في زمن، كان العرب فيه يملكون أعظم الحضارات على وجه الأرض، الأندلس وبغداد، وكانتا أكبر مركزين للعلوم والفنون والآداب والقوة والسلطة والنفوذ. فكيف وقد تفرق العرب شعوبا ودويلات مفككة، يتآمر بعضها على بعض، سرا وعلانية؟. لذلك، فإن هذا مدعاة لنا كشعوب عربية وإسلامية مغلوب على أمرها، ألا نيأس ونرفع الراية البيضاء، فما يحدث اليوم ما هو إلا عرض مؤقت، سيزول كما زال غيره في الأزمنة الغابرة من تاريخ أمتنا.

إلا أن ما يدعو للقلق  والارتياب حقًا في هذا الأمر، هو حال عامة الناس وتقبلهم للسلم والتصالح والتطبيع مع العدو، ففي حين أن ذلك كان يجابه دائمًا بالرفض والسخط والتنديد الشديد من قبل الفقهاء وعامة الناس، ما جعل الملوك يحيطون تحالفاتهم المشبوهة بالسرية التامة، ويحسبون ألف حساب لغضبة الفقهاء وعامة الناس، فقد أصبحت الاتفاقيات المخزية في أيامنا هذه تعقد على الهواء مباشرة، أمام أعين الجميع، ولا أحد يحرك ساكنا، بل أصبح من بين الفقهاء والعامة، والفنانين والشعراء والأدباء والمثقفين والمشاهير، من يرحب بها ويروج لها. وهذا لعمري أشد ما في الأمر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

marwan jameel

فلسطيني من غزة أنا زفرة العربي الأخيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى