علوم وصحة

حتى الخلايا قد تخطئ!

لقد خُلق الإنسان لكي يموت، وهكذا وُلدت الخلايا فينا لكي تموت كل يوم دون أن نلاحظ موتها، ويسمى هذا النوع من الموت بـ الموت المبرمج الذي يحدث كل وقتٍ وحين، عندما ينتهي أجل الخلايا في وقت معلوم لها مسبقًا حتى وإن لم تتعرض لسوء. وأكثر الخلايا التي تموت مبكرًا هي الخلايا الأكثر  تضاعفًا؛ مثل خلايا الدم والجلد والمبطنة للأمعاء، وما بين الولادة والموت تعيش الخلايا على البروتينات التي تنتجها كل ثانية من الأحماض النوية الموجودة في الحفظ والصون بالنواة لتحميها لأنها أغلى ما تمتلكه الخلية تمامًا كما تحمي الجمجمة المخ لأنه أغلى ما يملكه الإنسان.

“لا يعيب الإنسان أن يُخطئ، ولكن العيب كله ألا يراجع خطأه ويصححه كما تفعل الخلايا فينا”

ولم يخلق الله الخلايا ويتركها تعمل كيفما تشاء بل وضع فيها كتالوج للعمل بنظام دقيق آيًا كانت وظيفتها، فقد جعل الله الأصل في عمل الخلية يتمحور حول ويعتمد على البروتين وبالطبع في وجود بعض السكريات والدهون التي توجد بصورة منفردة أو مركبة مع البروتينات، ولأن حياة الخلية تعتمد في الأصل على البروتينات فقد منح الله الخلية تكنولوجيا في منتهي الروعة في تخليق البروتينات والقدرة على تصحيح الخطأ أولاً بأول إذا حدث ولو بنسبة واحد في المليون.

وتعتمد هذه التكنولوجيا علي ثلاث مراحل، مرحلة تحدث في نواة الخلية التي تمثل المكان الذي يحدث فيه تصنيع المواد الخام اللازمة لتخليق أي بروتين، فالنواة معبأة بشريطين متماثلين تمامًا ومتكاملين يلتفان حول بعضهما البعض في حالة تزاوج رائعة وفي شكل هندسي معماري في غاية الروعة، ويظهر هذان الشريطان لمن يراهما كالسبحة كل حبة فيها تسمى جين وكل جين مسئول عن تصنيع المادة الخام لبروتين محدد، وتسمى هذه المرحلة في تصنيع البروتين بمرحلة “التعبير أو النسخ الجيني”.

ولأن الخلية في حالة دائمة لإنتاج البروتينات لتقوم بوظائفها قبل حدوث الموت المبرمج للخلية، فإن نواة الخلية في حالة ضخ دائم لملايين النسخ من مختلف حبات السبح إلي السيتوبلازم وهو البحر الذي يحيط بالنواة والتي تبدو النواة في وسطه كجزيرة معلقة. ولأن الشريطين متكاملان ومتطابقان؛ فإن الخلية تقوم بتصنيع نسخة طبق الأصل من إحدى الشريطين في حبة السبحة، وتذكرني هذه العملية بالتصوير الضوئي لملايين النسخ من ورقة واحدة على ماكينة تصوير أو طبع ملايين الكتب أو المجلات أو الجرايد من نسخة واحدة أو ما نفعله الآن على الكمبيوتر من التعليم علي جملة في مقال ونسخها كما نشاء بعدد المرات التي نريدها.

ولأن الخطأ أثناء النسخ وارد ولأن أي خطأ سوف يغير من شفرة تصنيع البروتين وتغيير وظيفته أو تعطيلها فقد وهب الله نواة الخلية القدرة على تصحيح الأخطاء لو حدثت، والخطأ قد يتمثل في إضافة أو تبديل أو حذف قطعة واحدة أو أكثر من قطع الشريط المعبأة داخل حبة السبحة، ولك أن تتخيل مدى المجهود الجبار والسريع والمتلاحق لعُمال الفك والنسخ والتركيب والربط والضبط أثناء عملية تصنيع نسخة طبق الأصل من إحدى شريطي الجين. فهذه العملية معقدة ودقيقة جدًا وتحتاج مهارات عالية من مجموعة من الإنزيمات (البروتينات) الموجودة داخل النواة خصيصًا للقيام بهذه العملية.

فهناك بروتينات خاصة بفك الشريطين داخل حبة السبحة وأبعادهما عن بعضهما البعض بدقة بالغة دون إحداث أي أذي بأي من الشريطين، وذلك في مراحل ما قبل الموت المبرمج كما أن هناك بروتينات أخرى تقوم بإحضار قطع البناء الموجودة حول السبحة والمطابقة للقطع الموجودة على الشريط المراد نسخه والتي من الممكن تشبيهها بحروف الهجاء المكونة لجملة تعطي معنى محدد وواضح ولا يتغير معناه بغض النظر من وأين وكيف قاله، وتقوم هذه البروتينات بتركيب هذه القطع مع بعضها البعض بنفس الترتيب في الشريط الأصلي ثم تعشيقها في بعضها البعض ثم لصقها حتى لا تنفرط وهي في رحلتها من النواة إلى بحر السيتوبلازم خارج جزيرة النواة.

وبالرغم من كل هذا الترتيب المتقن والتكنولوجيا المتقدمة جدًا داخل نواة الخلية في صناعة نسخة من أي جين تريده بدون أن ترتكب أي أخطاء، إلا أن الخطأ قد يحدث للأسف في بعض الأحيان ولا يتم تصحيحه، صحيح أن نسبة الأخطاء التي لا يتم تصحيحها قد لا تزيد عن واحد في المليون إلا أنها لو حدثت لأصبحت كارثة للخلية سواء على المدى القريب أو البعيد حسب نوع الخطأ ومكانه وتوقيته والظروف البيئية التي تحيط بالخلية.

وأسوأ أنواع الأخطاء وأشدها خطرًا على مستقبل الخلية هي التي تتكرر كثيرًا والتي تحدث في بعض الجينات المسئولة عن منع حدوث السرطان، خاصة لو حدث ذلك في مقتبل العمر وتصادف أن يتعرض الإنسان الذي به هذه الخلايا إلى عوامل بيئية من تلوث أو نسبة عالية أو متكررة من الأشعة الطبيعية أو الصناعية أو فيروسات أو بكتيريا بعينها أو إدمان التدخين أو بعض العقاقير أو الضغوط النفسية الشديدة وما يتبعها من قلق وحزن وهم، لو حدث ذلك لتعرضت الخلية إلى كارثة مروعة وهي بداية الأحداث لتحول الخلية من خلية طبيعية إلى خلية ورمية؛ وهو أشد أنواع الأمراض خطورةً على الجسم لأنه ينتشر من مكان إلى مكان في الجسم، علاوةً على أن الخلايا المناعية لا تتعرف عليه بسهولة، وبالتالي لا تستطيع ضربه وقتله والتخلص منه.

وهكذا نرى أن التكنولوجيا الدقيقة التي وضعها الله فينا منذ أن خلق آدم على مستوى الخلية هي أساس أي تكنولوجيا حديثة هدى الله عقل الإنسان للوصول إليها واستخدامها. والجميل أن الإنسان عندما علم وفهم وأدرك منذ خمسون عامًا فقط تكنولوجيا نسخ شرائط الجينات داخل الحامض النووي (السبحة) في النواة وصولًا إلى الموت المبرمج فقد قام بمحاكاة هذه التكنولوجيا في أنابيب الاختبار لتصنيع كم هائل من البروتينات التي تستخدم في الغذاء والدواء.

وهكذا نرى أيضاً أن الأخطاء مهما كانت قليلة وبسيطة إلا أنها قد تؤدي بالإنسان إلى التهلكة؛ ولذلك فلا بد التعلم من خلق الله في أنفسنا ونطبق ما أودعه الله فينا من أساليب التعلم، فلا بد من مراجعة النفس أولاً بأول وتصحيح الأخطاء أولاً بأول والبعد عن كل ما قد يؤذي النفس ويبعدها عن الطريق المستقيم حتى لا تهلك وهي لا تدري أو ينتابها الموت المبرمج كما الخلية. فكما يحدث في الخلية إذا تكررت الأخطاء ولم يتم تصحيحها أولًا بأول، فتكرار الخطأ من قبل الإنسان وعدم تصحيحه أولاً بأول مؤكد سوف يؤدي إلى هلاكه وقد ينتشر هذا الخطأ في البيئة المحيطة الذي يعيش فيها الإنسان فيؤدي إلى سرطان يدمر المجتمع كله آجلًا أو عاجلًا وما يصاحبه من آلام مبرحة وتكاليف باهظة للعلاج قد لا تؤتي ثمارها.

ولا يعيب الإنسان أن يُخطئ، ولكن العيب كله ألا يراجع الخطأ ويصححه كما تفعل الخلايا. وهكذا أمرنا الله بالاستغفار والتوبة كلما سعر الإنسان بذنب ارتكبه عن عمد أو بدون قصد. وهكذا كان يفعل الرسول الكريم محمد فقد كان دائم الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار وهو من هو عند الله. وهكذا كان يفعل الصحابة وكان أشدهم سيدنا عمر بن الخطاب الذي كان يراجع نفسه قبل أن يضع رأسه للنوم كل ليلة. يراجع أخطاءه في نفسه والآخرين ويصححها ويتوب عنها.

نسأل الله أن يبصرنا بأخطائنا ويلهمنا القدرة على تصحيحها في الوقت المناسب حتى نلقاه بقلب سليم يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ويصير الإنسان رهن أخطائه التي تراكمت حول عنقه يوم لا ينفع فيه تصحيح الأخطاء بل الحساب عليها.

وهكذا النفس كالخلية؛ فإذا كانت الخلية مبرمجة بالفطرة على تصحيح الأخطاء فكذلك النفس السوية مبرمجة بالفكرة على تصحيح الأخطاء. جعلنا الله من الأسوياء وأبعد عنا وسوسة الشيطان الرجيم.

ولله في خلقه شئون.

اقرأ أيضاً: صناعة الوعي البشري

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق