ثقافة و فنون

حتمية الفن في البناء الثقافي للمجتمع

يعتقد البعض أن الفن هو نوع من الرفاهية وأن دوره ينحصر على وقت عرضه، لكن الحقيقة أن الفنون بكل أشكالها وألوانها هي المحرك الرئيسي لوجدان الشعوب؛ فبها يخلق الوعي ويبعث الفكر في حياة الشعوب، فمدلول كلمة الفن يشمل الفنون التشكيلية والمرئية كما يدخل في نطاقها فنون الأدب والموسيقى.

ويفترض في الفنون أنها تحدث استجابة لدى المتلقي حيال عرض الفن، فحواسه تتناسق مع كتلة العرض محدثًا نوعًا من المزج في المشاعر والأحاسيس بين المتلقي والعرض. وغياب تناسق الفن يجعله يفتقد إلى الرضا ويفتقر إلى التواصل مع العمل.

وعلى الرغم من المظهر الترفيهي للفنون لكن جوهرها هام جدًا، فالفن هو كل إنتاج إبداعي ينتجه الإنسان، فهو عمل خاص بالإنسان يسعى فيه الفرد إلى رسم صورة مرضية للواقع أو هو رسم مكمل للحياة، فقد يكون الفن محاولة لتزييف الواقع أو لإظهار صورة مختلفة عن المعاناة التي يعيشها الناس عن طريق تخفيف آلامهم بالفن أيًا كان شكل هذا الفن.

إذًا ففساد مجتمع مثلًا لا يعني بالضرورة فساد الفن، بل على العكس فقد كان الفن هو أداة التصحيح والتقويم في الفترة التي تعرضت فيها مصر للاحتلال الإنجليزي، حيث شهدت مصر ازدهارًا في شتى أنواع الفنون، فتنوعت الحياة الأدبية وظهرت المدارس الشعرية الحديثة والمذاهب الأدبية والفكرية المختلفة، وتطورت الموسيقى بدءًا من سيد درويش مرورًا بعبدالوهاب ومحمد فوزي وبليغ حمدي.. أجيال متعاقبة في تاريخ الموسيقى واللحن. كذلك المسرح والسينما والتطور الذي شهده المسرح على يد يعقوب صنوع. ففساد البيئة لا يعني فساد  الفن بل على العكس يكون الفن هو الأداة الهامة في مواجهة فساد الواقع.. فمن المعاناة يولد الإبداع.

فنحن نحتاج للفنون لا لنقل الواقع كما هو بصورة فجة دون أي معالجة وإلا فما الفرق إذًا بين تصوير جريمة بكاميرا قناة إخبارية وبين كاميرا السينما!

إن مهمة الفنون هي تهذيب النفس ورصد الصراع بين الخير والشر في ثياب الحكمة والمشاركة، فالفن عليه الرصد والتحليل، لكن هو أيضًا خاضع للمجتمع، فإذا اختلت العلاقة بين الفن والمجتمع تعرض الفن للخلل أيضًا، وهذا الخلل يكون ناتج من خلال القائمين على الفن قبل أن يكون من المجتمع. ففي مثالنا السابق قلنا أن المعاناة تولد الإبداع، لكن بوجود المعاناة مع غياب البصيرة والرؤية يصبح الفن سلاح هادم لا يبني ولا يصلح، فقد يكون المجتمع بيئة غير حاضنة للقيم وتغيب عنها كل المبادئ الصالحة، لكن مع هذا يوجد أصحاب الفنون ممن لهم بصيرة ورؤية جيدة فيصبح الفن هنا بناء للمجتمع.

نستطيع أن نشبه علاقة الفن بالمجتمع بالمعادلة فنقول أن صلاح الفن مع وجود النفوذ المحقق لتواجده يعني صلاح المجتمع، فهي علاقة تأثير وتأثر ترتبط بشكل أكبر بمدى نفوذ أيٍ منهما على الآخر، فلو افترضنا أن الفن موجود في مجتمع فاسد له اليد العليا فالغلبة إذًا للفساد والمجتمع، وإذا كان الفن له اليد العليا في مجتمع فاسد ومتأخر صلح الفن وبه صلح المجتمع، أما في حالة المساواة بينهم في السلطة مع فساد المجتمع فإن الكلمة العليا للبيئة الفاسدة وعليه يفسد المجتمع .

إذًا فحتمية البناء الصالح للفن ترتبط أولًا بصلاح صناعه، فهو كالسكين سلاح ذو حدين إذا استحوذ عليه صالح قدم أفضل أشكال الطهي وإذا ناله جاهل أو فاسد نشر الهلاك بين الناس وروع أمنهم وأهلك زرعهم وحرثهم ونسلهم.

نعود إلى قضية رفاهية الفن.. هل الفن نوع من الرفاهية؟ الإجابة نعم، الفن هو نوع من الرفاهية لكن ما يحدثه في النفوس وفي الطبائع لا يقتصر كونه نوع الترفيه بل يتجاوز ويتخطى هذا بمراحل، فكما سبق وأن أشرنا أن الفن هو البناء للمجتمع فبه تنخفض الحوادث والجرائم وبه ترتفع أيضًا، وبه تسمو النفس وتسبح في بحور التسامح والخيال لتخلق واقعًا يكمل لها ما ينقصها لاكتمال صورتها في الواقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق