سياسة وتاريخ

حب في باطنه حرب

تواصلتُ مع زميلةٍ لي حين علمّتُ أنها آتية من بلدها “المغرب” إلى تركيا لاستكمال دراستها بعد الانقطاع الذي تسببه وباء كورونا.

طلبتُ منها حينها أن تشتري لي “خريطة العالم” شرط أن تكون باللغة العربية، أبدت لي استعدادها لخدمتي وذهبت لشرائها قبل أن يُشغلها شيء آخر عن السفر.

بحثَت في عدّة قرطاسيات ومكاتب فلم تجد إلّا (باللغة الفرنسية)!.

اعتذرت منّي لعدم استطاعتها إيجاد طلبي، لم أهتم حينها لذلك بقدر ما وجدتُ شيء مهم كان قد لفت انتباهي “كيف لدولة عربية مثل المغرب أن تكون مستعمره ثقافياً بهذا الشكل في ظل الطبقة المثقفة الكبيرة في مجتمعها !” وجدت أن العولمة هي السلاح الحصري والمُتقدم الذي تستخدمه الدول والذي يتمثل ب “القوة الناعمة” والتي تُمثّل “اللغة” أحد أهم أشكالها، وماهو أثرها في تطبيع ثقافة دَخيله لمجتمعٍ ما والقضاء على ثقافته ولغته…

لم ينتهي الحال بي هنا حيث شدّ انتباهي موقف آخر من هذا القبيل حيث أنني كُنت في حديثٍ مع صديقٍ لي من دولةِ “التشاد” أحد زُملائي في التخصص، حيث كان يتحدث معي باللغة العربية ولكن لاحظتُ أنه ثمّة على لِسانِهِ كلماتٌ دخيله (فرنسيه) كانت تخترق أبجدية اللغة العربية وتُقلّل من شأنِها و جمالها، وعندما قاطعته سائلاً عن مدى إتقانه للغة الفرنسية، قال لي أنه يُدّقنها أكثر من العربية، وأنه خُيّرَ عندما التحق في مدرسته “الابتدائية” ففضّل أن يدرسها بالفرنسية!
تساءلت مُتحيّزاً مع اللغة العربية قائلاً : ولماذا لم تدرسها بالعربية… ما المانع في ذلك!، أليست لغة جميلة وثريّة.. أليست لغة القرآن الكريم؟!

لم يستطع مجابهتي في هذا السؤال اكتفى بالابتسامة، لكن إيماءات وجههِ كانت توحي بالحرَج، عندها أردتُ أن اُلطّف الأجواء قليلاً بالقول :ألم تسمع أنه كان قد قُيل : “من تعَلّم لغة قومٍ أمن مكرهم”؟! نحن أيضا يجب علينا أن نتعلم لُغتهم فقط لنأمن مكرهم لا أكثر!, ونصحته مازِحنا “إياك أن تتلق وتُغرم بها”، فتشاركنا الضحك هاهاها، فانتابني الفضول مجدداَ لأسئلة عن ملابسه التي يرتَديها ما إذا كانت هي أيضاً (فرنسية), فأجاب : نعم هي أيضاً كذلك، فتركته للحديث مع نفسي لِلَحَظات “نعم كما ظننتُ لا يوجد في الأمر أيّ مصادفة”..

لم تكن المغرب أو التشاد هي أول الدول التي اُستُخدِمت معها هذه الوسيلة في التأثير السلس الذي يُعرّف ب”القوة الناعمة” الذي تستخدمه الدول للوصول إلى أجندتها وغاياتها، فسبقَ، ولا زالت الدول العظمى مثل الولايات المتحدة تستخدم السلاح نفسه..

فالأحداث التي شهِدتها “الحرب الباردة” خير شاهد لهذهِ الأساليب، حيث يُذكر أن حالة الصراع والتنافس الذي كان بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في فترة منتصف الأربعينيات وحتى أوائل التسعينيات تلوح بالأفق.
عندما ظهرت الندية بين القوتين العظيمتين خلال التحالفات العسكرية والدعاية وتطوير الأسلحة والتقدم الصناعي والتكنولوجي.

كان للولايات المتحدة أسلوب جديد في مواجهة هذا الخصم القوي بتبني “النظرية المثالية” التي لا تُشجّع على القوة و الصراع المباشر مع الدول..

على عكس النهج الذي كان يسير عليه الاتحاد السوفيتي في تبني نهج السياسة الواقعية واستخدام القوة!.
استطاعت الولايات المتحدة من إحراز تقدماً على جميع المستويات وذلك بإضعاف خصمها بالدعاية والتشويه وسياسة الحصار والاستئصال للشيوعية.

انتهى ذلك في بتجنب الاتحاد السوفيتي في أن يصل الأمر إلى حرب عالمية ثالثة.
هنا إنهار الاتحاد السوفيتي وانتصرت الولايات المتحدة.

نفهم هنا أن الدول العظمى التي تسعى للهيمنة لم تعُد ترى أن طريقة إرسال الجيوش والمُعدات العسكرية وغيرها ناجحة، وأن القوة الناعمة كان لها تأثير فتّاك استطاع أن يقضي على أعظم قوة على كوكب الأرض آنذاك، ومنذ ذلك الحين أصبحت الدول تنتهج هذا النهج في الهيمنة و (الاحتلال الغير مباشر) بالانسحاب من هذه الدول ووضع على سلطة هذه الدول زُعماء يتّبعونها ويحتكمون إليها !!.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أيمن المخلافي

طالب علوم سياسية وعلاقات دولية,باحث ,ناشط سياسي وإجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى