مدونات

حب بعد فوات الأوان!!

حب بعد فوات الأوان

في خريف عام من أعوام الدراسة، وكنت حينها قد انتقلت من الإبتدائي إلى الإعدادي وكلي حماس لإكتشاف هذا العالم الجديد الذي كنت أسمع عنه فقط، كان علي أن أبحث عمن يرافقني إلى الإعدادية، أمي كانت قد أجرت عملية جراحية في المستشفى بالمدينة، وأبي كان معها، لأول مرة ينتابني شعور الوحدة رغم أنهما طيلة أعوام الدراسة لم يرافقاني قط، كنت أحقق النجاحات لوحدي، أفرح لوحدي، وأحزن إذا حصلت على درجات ضعيفة أيضًا وحدي.

في سبيل حب بعد فوات الأوان

ليس بحوزتي أي مال، إنما الأوراق والصور فقط، كنت أرمق الناس من حولي، الأصدقاء و التلاميذ الذين درسوا معي، كلهم برفقة آبائهم وأمهاتهم، يتزاحمون ويتدافعون من أجل التسجيل، بينما بقيت مدة طويلة أنظر الى جدران المؤسسة وأقسامها، ألقيت نظرة على المكان الذي سيحتويني، أسئلة كثيرة تجوب ذهني المشدوه، كانت جدران المؤسسة بيضاء وأقسامها مطلية باللون الوردي، بها أشجار وحديقة صغيرة، حوالي ست إلى ثماني حجران مبنية تنظر إلى بعضها، بناها الفرنسيون على تل يطل على قرية صغيرة، قريبة من السوق وطريق ضيق معبدة، الحارس العام البدين ينادي بأعلى صوته الغليظ، أسماء التلاميذ ثم يدخلهم الى المكتب الصغير ليتم تسجليهم، ثم يحصلون على وصل مكتوب بخط اليد ختم عليه المدير الأشقر العبدي، ذو النظارتين البيضاوتين والشعر الأشيب، يتسلم ما يقارب 100 درهم يضعها في درج المكتب.
بعدما إكتشفت جوانب المدرسة كلها، سجلت إسمي ورقمي والقسم الذي سأدرس به، إتجهت إلى الإدارة من جديد، ناولت الحارس العام أوراقي، الرجل الدكالي البدين ذو الصوت الغليظ الذي لا يبتسم إلا لمن يهمس له بأنه سيزوده بالقمح أو اللبن، الحليب والقطاني أو سيدعوه إلى منزله ذات جمعة من أجل تناول الكسكس.

انتظرت حتى الرابعة عصرًا، لقد سجلوا إسمي وأصبحت أنتمي إلى هذا الجزء من المؤسسة، بالقسم الأولى 2.

في اليوم التالي، كان علي أن اقطع ثماني كيلومترات مشيًا على الأقدام، طريق موحشة خالية إلا من تلاميذ يمرون أمامي بدراجاتهم ولا يلقون لي بالًا، حر سبتمر الشديد وخريفه القاحل، وأنا اسير على قدمين مجهدتين، أنتظر أن أصل إلى المؤسسة، كنت طوال الطريق أحلم أن اصبح طبيبًا أو أستاذًا، هذه الأحلام هي التي كانت تجعل الطريق القاحل ورديًا وتساعدني على التقدم إلى الأمام أكثر.

مذكرات معلم: هل مخزون الذاكرة قابل للنفاذ والنضوب؟

الكثير من المعاناة

عندي وصولي دخلت إلى حجرة قسم وأجلسنا الأستاذ، جلست بجوار صديق درست معه ست سنوات، ثم كتب لنا أسماء الكتب المدرسية وباقي اللوازم، ثم مضينا.
كنت قبل ذلك قد إشتريت الكتب المدرسية من أحد أصدقائي – كتب قديمة بالية لكنها ما تزال صالحة للدراسة- حصلت على المال بعد عمل شاق طيلة أشهر العطلة، من جني الطماطم والخضر، الذرة والشمندر، أذكر أني أصبت اصبع يدي اليمنى وأجزاء من قدمي، ثم أكملت العمل والدم ينّز، خوفًا من أن يطردوني، فأعود إلى منزلنا بخفي حنين، كان صاحب المزرعة قريبًا مني ينظر الى الدم والجرح لكنه لم يحرك ساكنًا، كل ما يهمه أن يجمع محصوله السنوي وأن ينهي عمله في الوقت المحدد!

… والكثير من الحب

بدأت أتعرف إلى البعض من التلاميذ الذين سيدرسون برفقتي، ستة منهم كنت قد درست معهم من قبل، فيما الباقون كانوا طلابًا جددًا، الفتاة التي جلست أمامي يوم الإمتحان تجلس قبالتي اليوم أيضًا، ذات العينان العسليتان والشعر الطويل المتماوج، الإبتسامة الباردة التي تعلو شفتيها خجلًا، كنا نسترق النظر إلى بعضنا البعض كلما سنحت الفرصة لنا، لكن لم أتجرأ أبداً لأن أكلمها، وأظن أني أحببتها وأعجبت بها لكنه حب بعد فوات الأوان.

دخل علينا أستاذ اللغة العربية، قصير القامة سريع الغضب، يتطاير اللعاب من فمه كلما تكلم بسرعة، نظراته وتقاسيم وجهه توحيان بقساوته وجلده، قدم لنا بعضًا من الأساتذة الذين سيدرسوننا هذا العام، منهم الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة والارض والفرنسية، وبقيت اللغة العربية، ننتظر الإسم الذي سيدرسنا، وإن لم تخني الذاكرة حدث ذلك في الأسبوع الثالث أو الثاني من خريف أكتوبر، كنت أجلس في الصف الأول بالمقعد الثاني، ولي مع المقعد الثاني قصة حب لا تنتهي، ثم إنطلق إلينا بسرعته المعهودة، وقال بلغته الفصحى الجميلة الرنانة الحادة.
-أما أستاذكم في اللغة العربية فهو عبد ربه..
فرح الجمع وأنا واحد منهم ننتظر قدوم عبدربه في الحصة الموالية.

في الغد وكان يوما شديد الحر دخل علينا عبد ربه فكان الاستاذ نفسه، إلفتت إلى الذين آستغربوا مثلي وقد امتقعت وجوههم، لا أدري خوفا كان أم خجلا، الله أعلم، المهم لم نصدق الأمر ورغم ذلك فهناك أمل قدوم عبدربه، فما قدم إلا ليشمر الأستاذ نفسه عن ساعديه لمراقب الدفاتر والتمارين، لا أحد منا أنجز واجباته، لا سبيل للنجاة من العصا إننا نعرفه حق المعرفة، إحمرت الأيدي من الضرب ولما إنتهى الوقت وغادرنا القاعة عرفنا عبد ربه حق المعرفة، ومنذ ذلك الحين لم أنسى عبدربه إلى اليوم، لكن فضله بعد الله كبير علينا، كان يقولي والفاتنة التي كانت تجلس قبالتي، وكنا من افضل التلاميذ على الإطلاق:
_بالمصرية انت كويس يا ولدي وستصل إلى وظيفة، وهذه الفتاة الجميلة أيضا، أما هؤلاء الذين يجلسون معكم ستركلهم الدولة ويلعنهم الزمن..

هل حقًا كان حب بعد فوات الأوان

مرت ثلاث سنوات من الجد والإجتهاد سريعة والكلام نفسه نسمعه كل حصة، نفس النظرات نتبادلها ولا أحد منا إستطاع أن يكسر حاجز الخوف من الآخر، حاجز الصمت الذي كان يعترينا ويعتري نظراتنا وكل شيء فينا.
القدر الذي قادنا مع إلى نفس القاعة بالإمتحان الإبتدائي هو نفسه الذي قادنا إلى القسم الثاني بالإعدادي وحتى إلى الإمتحانين الموحد والجهوي، وإلى نفس القسم بالجدع المشترك، لكن فرحتي لم تكتمل فقد غادرت إلى البيضاء لإكمال الدراسة هناك، بينما بقيت حبيس دكالة وأهلها، هذه الأرض القاسية التي حرمتني من نظراتها الساحرة، أصبت بصدمة غير متوقعة، خاصة وأني رفضت إكمال الدراسة بالبيضاء، لكني لما سمعت الخبر تراجعت عن فكرتي لكن بعد فوات الأوان، وبقيت على هذا الحال لم أحب إحداهن طيلة ثلاث سنوات، بعدها إنتقلت إلى الدراسة الجامعية بالدار البيضاء، و من أجل الوصول إلى النظرات الباردة وكلي أمل في لقاء الماضي الذي قتلني أكثر من مرة…

ويبقى السؤال: هل فعلًا كان حبي حب بعد فوات الأوان ؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى