سياسة وتاريخ

حال الشعوب العربية من نظام سياسي لآخر.. اختلاف أم تشابه؟

يختلف المشهد السياسي في العالم العربي اليوم عن ما كان عليه مند سنوات، حيث نجد شعوبا خرجت إلى الشوارع معبرة عن غضبها من غلاء المعيشة وتدني مستوى التعليم والصحة وحتى الخدمات.. إلى غير ذلك من الأمور التي تجعل مستوى العيش لا يطاق.

إن معظم الدول العربية تعيش نفس المستوى من التأخر الاقتصادي والاجتماعي، و التبعية للقوى العظمى حول العالم مع اختلاف بسيط في الإمكانيات المالية، هذا التأخر انعكس على مستوى الحياة اليومية للمجتمعات العربية، والدي عبر عنه بعض الشباب بنزولهم الى الشوارع للمطالبة بالإصلاح، فكانت الانطلاقة سنة 2011 من تونس مرورا بمصر ثم اليمن فليبيا و سورية، و إلى اليوم تستمر انتفاضة الشعوب بدخول السودان ثم الجزائر فالعراق ولبنان، وكل شعوب هذه الدول التي ثارت في وجه أنظمتها ونزلت شعوبها الى الشوارع، أحدثت من التغيير ما مس النظام العام للبلاد أو حتى رموزا كانت لوقت قريب تشكل أبراجا علية يصعب الوصول إليها أو المساس بكراسيها، هي دول جمهورية في نظام حكمها، أما  معظم الدول الأخرى من المنطقة العربية فبقيت بمنأى عن هذا الحراك، اللهم بعض المحاولات هنا و هناك تنتهي دوما بامتصاص زخم تلك التظاهرات، من خلال إقرار مجموعة من التعديلات، والإصلاحات التي تظل في مجملها مجرد حبر على ورق.

وهنا يلح علينا سؤال بديهي التكوين وسهل الصياغة، هل باقي الدول العربية والتي لا تعرف النظام الجمهوري، كنظام حكم لها، هي شعوب تعيش مستوى أحسن من تلك التي ثارت في وجه أنظمتها؟ أم أن الأمر له خصوصيات أخرى؟

يدفعنا هذا السؤال إلى البحث عن الأسباب التي تجعل هده الدول ـ السالفة الذكرـ تنعم بنوع من الاستقرار السياسي، في ظل الحراك العربي تجاه التغيير السياسي، لكن المقصود به في المضمون و الكنه محاولة تحسين المستوى الاقتصادي.

أتذكر مرة وأنا في نقاش مع أحد الأصدقاء عن موضوع الساعة من أحداث على المستوى العربي،  طرحت عليه هذا السؤال، لماذا تثور الشعوب وتخرج الى الشوارع في الدول العربية التي تعرف النظام الجمهوري فقط؟

فكان جوابه حين إذا، لعل تلك الشعوب لا تملك بداخلها تلك النزعة التي تقول إن الحاكم هو مبعوث الإله في الأرض، توقف تفكيري برهة وأنا أتدبر جوابه ومدى الذكاء الدي أسس عليه، ولحظة تذكرت كتاب الأمير نيكولو مكيافيلي، والذي جاء فيه أن على الحاكم أن يستخدم السلطة الدينية من أجل السيطرة على الرعية، من خلال منطق أن الحاكم هو خليفة الله في أرضه وأنه مبعوث من طرفه لتطبيق شرعه، وأنه لا يجوز للرعية أن تخالف أمر الإله.

جوابه ذاك دفعني الى التفكير و البحث بعمق في مفهوم الرضوخ والخنوع لمبعوث الإله، وبالرجوع إلى عمق الثقافة الإسلامية، وخاصة تلك المنبثقة من الشرق.

هدا الأمر، أي التكليف الإلهي للحاكم في الأرض هو ظاهرة قديمة اعتمدها القدماء لتأثيث حكم الحاكم والسيطرة على المحكومين، ولعل قصة موسى مع فرعون وقصة النمرود مع إبراهيم، لخير دليل على أن تكليف الاله هو أساس الحكم ومصدر الشرعية للحاكم.

إن القارئ لكتاب الأمير، يجد نفسه أمام تطبيق فعلي لجل مضامينه، فيما يتعلق بالسياسات التي يطبقها معظم حكام العالم العربي اليوم، ومن بينها أن الحاكم هو ظل الله في أرضه، فيصعب على الرعية مخالفة هدا الأمر، لما فيه من مخالفة لأمر الإله، ونظامه في تسيره هذا الكون، ولعل حكام العرب الدين يؤسسون حكمهم على مفهوم الإمامة، يعتمدون على هذا الأمر في تثبيت حكمهم، فمن الصعب أن تناقش شخصا في سلطة السلطان الذي يعتبره أساسا لدوام الدولة ورمز استمراريتها.

هذا المفهوم سوف تكرسه ظاهرة الملكية البرلمانية التي ظهرت في الدول الغربية، فعندهم الملك له قداسة وهيبة لا تمس، رغم تجريده من معظم الصلاحيات السياسية.

أما الدول العربية التي تعرف النظام الجمهوري، فقد انسلخت شعوبها من هذا المفهوم، وعرفت أن من يأتي إلى السلطة هو منتخب جاءت به الصناديق عن طريق الشعب أو جاء عن طريق دبابة بالقوة، وفي كلتا الحالتين هو أمر أرضي وليس أمرا سماويا ـ أي من الإله ـ، وبالتالي يمكن التخلي عنه أو عزله اذا  اقتضى الأمر.

إن النظام الجمهوري الذي عرفته مجموعة من الدول العربية، رغم كل العلل التي أصابته وحولته من نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ التناوب في الحكم وفصل السلط، إلي نظام دكتاتوري، يسعى الى الاستلاء على السلطة، وغالبا ما يكون نظام عسكري يفرض نفسه بالقوة، إلا أنه جعل شعوب تلك الدول العربية تخرج من المفهوم الذي يعتبر أن الحاكم مفوض من الإله، إلى شخص يقوم بمهام وظيفية تعنى بمصالح شعبه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

mohamedabouechcharaf

الإجازة الأساسية في العلوم السياسية و إجازة أساسية في القانون الخاص، شاعر، كاتب عبر موقع 22 عربي، ورئيس جمعية
زر الذهاب إلى الأعلى