سياسة وتاريخ

حالة الطوارئ الصحية بالمغرب بين السند القانوني والتطبيق

إلى حدود كتابة هذا المقال، يكون عدد الإصابات في بلدي المغرب قد تجاوز 1400 إصابة، ولا زلنا ننتظر ما يخبئه لنا المستقبل، انتظار ممزوج برغبة جامحة تناجي العلي القدير بأن يزيح عنا هذا البلاء، والأمل لنا رغبة تزاحم مشاعرنا في التعبير عن مفهوم التشبث بالحياة، وإذ أستحضر وأنا أكتب هذا المقال القول المنسوب للصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

ورغم تباين الأمر في صحة هذا القول من عدمه، إلا أني أورده على سبيل المثال كقول يبعث على الجمع بين مفهوم الحياة الدنيا التي نعيشها، والآخرة التي نسعى إليها، بل إن رسولنا الكريم محمد بن عبد الله -عليه أزكى الصلاة والسلام- في حديث له؛ يحث فيه المسلمين على البدل والعطاء حتى آخر رمق في الحياة، فيقول (ص): “إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها” (رواه أحمد وغيره بإسنادٍ صحيحٍ).

فإذا كان الإسلام يحثنا على البدل والعطاء، والتشبث بالحق في الحياة، باعتبار أن لنا فيها دورًا ورسالةً، بجانب العمل لكسب جنة الخلود، فإن القانون والنظام العام جاؤوا لحماية هذا الحق، من خلال تشريع مجموعة من النصوص التي تؤطر لمفهوم الحق في الحياة، فكان الدستور المغربي حريصًا كل الحرص على حماية هذا الحق، وإضفاء صفة القدسية عليه، وهذا جلي من خلال الفصلين 20 و 21 من الدستور المغربي لسنة 2011.

وفي ظل الأزمة الوبائية التي يمر بها العالم وكذلك المغرب، والتي أصبحت تعرف بجائحة covid-19، وخاصة التطور السريع لانتشار هذا الوباء، فقد فرضت السلطات المغربية ما يعرف بقانون الطوارئ الصحي، من خلال مرسومي قانون 2.20.292 وكذلك 2.20.293 الصادرين بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 24 مارس 2020.

حالة الطوارئ هاته تفرض الحد من حركة المواطنين إلا من خلال مستند رسمي، وفي حدود ما تسمح به الضرورة القصوى للحركة، وذلك سعيًا منها -الحكومة المغربية- لتطويق هذا الوباء والحد من انتشاره بين السكان، فعلى أي أساس قانوني تم فرض حالة الطوارئ الصحية؟ وكيف تعامل معها كل من المواطنين والسلطة؟

بالرجوع إلى نص المرسوم قانون رقم 2.20.292 السالف الذكر، المؤطر قانونًا لفرض حالة الطوارئ، نجد أن الحكومة المغربية قد استندت إلى الفصلين 21و 24 (الفقرة الرابعة)، واللذان يؤسسان لمفهوم سلامة الأفراد وضمان حرية تنقلهم داخل تراب المملكة، وذلك من خلال سهر السلطات العمومية على هذا الأمر باعتبارها الضامن الأساسي له.

وبما أن البرلمان المغربي بغرفتيه في عطلة -إن صح التعبير-، فإن الحكومة اعتمدت الفصل 81 من الدستور لاستصدار المرسوم قانون رقم 2.20.292، باعتبار أن هذا الفصل يجيز للحكومة أن تصدر مراسيم قوانين خلال الفترة الفاصلة بين الدورات، شريطة موافقة اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، وهذا ما تم تحققه، حيث وفقتا كل من اللجنتين المسؤولتين عن هذا الأمر، وتمت المصادقة على المرسوم المؤطر قانونًا لحالة الطوارئ الصحية للمغرب.

وقد أثير الكثير حول السند القانوني الذي اعتمدته الحكومة المغربية لسن مثل هكذا مرسوم، حيث أن الدستور المغربي لم ينص صراحة على حالة الطوارئ للبلاد، بل -الدستور المغربي- تحدث فقط عن حالة الاستثناء من خلال الفصل 59 منه، وكذلك حالة الحصار في الفصلين 49و 74، وفي نظري المتواضع، فإن الحالة التي يعيشها المغرب بتفشي الوباء، وحرص الدولة على محاصرته، والحد من انتشاره، لا تستوجب وجود سند قانوني مباشر لفرض حالة الطوارئ الصحية، على اعتبار أن السلامة العامة للمواطن هي ضرورة ملحة.

وجدير بالذكر في هذه المرحلة، أن نستحضر مفهوم نظرية الظروف الاستثنائية، والتي توجب فرض حالة الطوارئ الصحية، وللتذكير فقط فإن المجتمع الدولي قد أقر هذه النظرية في المادة الرابعة من العهد الدولي، حيث عرف حالة الطوارئ الاستثنائية بأنها هي الحالات التي تهدد حياة الأمة.

وبالرجوع إلى تعريفٍ للأستاذ محمد زين الدين، وهو أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني، حيث ذكر أن مفهوم حالة الطوارئ هو توسيع لاختصاصات السلطات المدنية في حالة وجود خطر داهم يستوجب الحفاظ على الأمن المجتمعي، ومن خلال هذا التعريف نستقي أن حالة الطوارئ الصحية التي أقرتها الحكومة المغربية -وإن لم يتم التنصيص عليها صراحة في الدستور المغربي- إلا أن فكرة المساس بالسلامة المجتمعية للمواطنات والمواطنين، وكذلك المس بالأمن المجتمعي للأمة بصفة عامة، يفضي إلى إعلانها.

ثم يؤكد الأستاذ محمد زين الدين في تصريحٍ  لجريدة رسالة الأمة المغربية، الصادرة في 9 أبريل 2020، تحث عدد 11498، على ضرورة التفكير في دسترة حالة الطوارئ في المغرب، مؤكدًا في نفس الوقت أنها أضحت ضرورة ملحة، على اعتبار طبيعة المخاطر التي أصبحت تواجه البلاد، مشيرًا في الوقت نفسه أنه من الخطأ الاعتقاد بأن المخاطر ستنتهي بإنتهاء ما يعرف بفيروس “كورونا المستجد”.

ومن منطلق السلامة المجتمعية، وكذلك حماية للمواطنات والمواطنين ضد ما بات يعرف بفيروس covid-19، فقد عمدت الحكومة للإعلان عن حالة الطوارئ الصحية على عموم تراب المملكة من 20 مارس2020 إلى غاية 20 أبريل من نفس السنة، من خلال المرسوم قانون رقم 2.20.293 (السالف الذكر)، فكيف استقبل المغاربة هذا الإعلان؟

في حقيقة الأمر تباينت ردود الأفعال بين عموم المواطنات و المواطنين، حيث أن هناك من تقبل الأمر بشكل طبيعي، معتبرًا أن خطورة هذا الوباء تستوجب ذلك، في حين أن مجموعة أخرى لم تستوعب خطورة الأمر حتى الآن، وهذه الفئة الأخير في نظري تعتبر أخطر من الوباء نفسه، فالفيروس يبقى كائنًا غير حي حسب التعريف الطبي له، ويحتاج إلى عاملين أساسيين لانتشاره؛ وهما الناقل له ثم الحاضن له، وهذان العاملان متوفران في الإنسان، وخاصة تلك الفئة التي تستهتر بخطورته، ولعل هذا الاستهتار هو ما دفع بالمشرع المغربي إلى سن عقوبات زجرية ضد كل من خالف الأوامر الصادرة من طرف السلطات العمومية في شكل مقررات، وذلك من خلال المادة الرابعة من المرسوم قانون رقم 2.20.292 (السالف الذكر).

تجدر الإشارة فقط إلى أن الفقرة الثانية من نفس المادة السابقة، تؤكد على تطبيق نفس العقوبات على كل من عرقل تنفيد هذه الأوامر، أو ساهم في الترويج ضدها، أو استعمل العنف في حق السلطات العمومية، وفي نفس السياق نذكر بما جاء ببلاغ وزارة الداخلية يوم 19 مارس 2020، حيث جاء بهذا البلاغ أن كل مخالف لحالة الطوارئ الصحية المفروضة، سوف يقع تحث طائلة العقوبات المنصوص عليها في مجموع القانون الجنائي المغربي، في إشارة واضحة إلى الفصول من 300 إلى 308 من القانون الجنائي المغربي، المتعلق بجريمة العصيان وخاصة في فصلها 300.

صدور القانون وتنزيله من طرف السلطات العمومية يستلزم اتخاد مجموعة من التدابير الوقائية والاستعجالية من أجل تنفيذه، وذلك لبلوغ الغاية المنشودة لسن مثل هكذا قوانين، وهذا ما يتضح جليًا من خلال مجموعة من الفيديوهات التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تظهر تدخل عناصر الأمن لتطبيق القانون، وإن كان في بعض الأحيان بطريقة عنيفة نوعًا مًا، ويبقى في مجمل الأمر أن واقع الحال يفرض اتخاذ جميع التدابير اللازمة من أجل الحد من انتشار هذه الجائحة، في انتظار ظهور علاج فعال لها.

وعلى السلطات العمومية وهي تقوم وتسهر على تطبيق القانون، أن تضع نصب أعينها نص الفصل 22 من الدستور المغربي، والذي يقول: “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.

لا يجوز لأحد أن يعامل الغير تحت أي ذريعة معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية، وممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

mohamedabouechcharaf

الإجازة الأساسية في العلوم السياسية و إجازة أساسية في القانون الخاص، شاعر، كاتب عبر موقع 22 عربي، ورئيس جمعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى